الأربعاء 09 سبتمبر 2026 م - 27 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : غرس القيم والسلوك الإيجابي دور تربوي مبتكر للمتاحف

في الحدث : غرس القيم والسلوك الإيجابي دور تربوي مبتكر للمتاحف
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 02:39 م

طارق أشقر


يكتسب تنظيم المتحف الوطني للملتقى الصيفي «السَّمْت العُماني» ـ الذي نظَّمه مؤخرًا في بيت الجريزة ـ أهميَّة اجتماعيَّة مميزةً تفوق ـ في تقديري ـ الأهميَّة الثقافيَّة للفعاليَّة؛ كون الحدث يقدِّم نموذجًا لِدَورٍ تربويٍّ مبتكرٍ يمكن أن تؤديَه المتاحف في تنشئة الأطفال.

كما يُعَدُّ الحدث تأكيدًا عمليًّا بأنَّ المتاحف العصريَّة لم تَعُد محصورةً في أن تكونَ مجرَّد أماكن لحفظ المقتنيات التاريخيَّة واللقى الأثريَّة وعرضها أمام الزوار، بل صارت فضاءاتٍ حيَّة للتعلُّم والتفاعل وإعادة اكتشاف العلاقة بين الإنسان وتاريخه وثقافته وقِيَم مُجتمعه.

ومن هذا المنظور، يبدو للمتابع بأن الملتقى الذي انطلقت فعاليَّاته في (16) أغسطس (2026) لم يكتفِ فقط بتعريف المشاركين بمفردات من التراث العُماني، بل سعى إلى تحويل القِيَم والممارسات الاجتماعيَّة إلى تجربةٍ معاشةٍ، من خلال تعليم آداب استقبال الضيوف وتوديعهم وآداب الضيافة كإضافةٍ نوعيَّة عبر أنشطةٍ تطبيقيَّة وتفاعليَّة، فضلًا عن توظيف فعاليَّات البحث عن الكنز والتعرُّف على الخريطة كأساليب للتعلُّم بالممارسة والاكتشاف.

وتكمن أهميَّة هذا النهج في أن الطفل لا يتعلم القِيَم الاجتماعيَّة من خلال التلقين وحده، وإنما يكتسبها بصورةٍ أكثر رسوخًا عندما يمارسها ويختبر معناها في بيئةٍ تفاعليَّة، وهنا تلتقي تجربة المتحف مع بعض الأفكار الأساسيَّة في عِلم الاجتماع، ولا سِيَّما نظريَّة التنشئة الاجتماعيَّة التي تنظر إلى اكتساب القِيَم والمعايير والسلوكيَّات باعتباره عمليَّة مستمرَّةً تتمُّ عبر الأُسرة والمدرسة ومؤسَّسات المُجتمع المختلفة.

وبتنظيم مثل هذا النوع من الفعاليَّات ذات العلاقة بعمليَّات التنشئة الاجتماعيَّة، يصبح المتحف أحد الفضاءات الاجتماعيَّة التي تُسهم في تشكيل شخصيَّة الطفل وتعزيز وعيه بذاته وبحاضر مُجتمعه، جنبًا إلى جنبٍ مع تاريخه.

كما يمكن تناول الملتقى من زاوية نظريَّة «التعلُّم الاجتماعي المعرفي» في عِلم النفس التربوي، التي تُؤكِّد أهميَّة الملاحظة والمشاركة والتفاعل في اكتساب السلوك؛ لأنَّه عندما يمارس الطفل أساليب الضيافة أو يتعرف إلى الرموز الوطنيَّة ضمن جماعةٍ من أقرانه، فإن القِيمة الاجتماعيَّة عنده تتحول من مفهومٍ مجرَّدٍ إلى سلوكٍ يمكن ملاحظته وتقليده وتكراره.

ويشار أيضًا إلى أن اختيار بيت الجريزة مكانًا للملتقى يضيف بُعدًا آخر للتجربة، خصوصًا وأن الطفل المشارك في هذا الحدث تكون فرصته في التعلُّم عن التراث أوسع من تعلُّمه عبر اكتساب معلومةٍ موثقةٍ عن قطعةٍ أثريَّة مصونةٍ خلف واجهة عرض، بل تتَّسع فرصه للتعلُّم من داخل فضاءٍ تفاعليٍّ حيٍّ عبر المشاركة التفاعليَّة، الأمر الذي يُعزِّز إدراكه بأنَّ التراث ليس ماضيًا منقطعًا، إنما هو جزءٌ من الذاكرة الاجتماعيَّة والحياة المعاصرة.

وبهذا يمكن القول بأنَّ تنظيم فعاليَّاتٍ بهذا المحتوى يُمثِّل طفرةً نوعيَّة في ممارسة المتاحف لِدَوْرها المُجتمعي والتربوي، فهي لا تنغلق على وظيفة العرض والحفظ والتوثيق، بل تنفتح على بناء الإنسان نفسه وتزويده بما هو معاصرٌ دون الاكتفاء بتفاصيل ما هو تاريخي. وبالتَّالي يُعَدُّ هذا التحوُّل مهمًّا في زمنٍ تتعرض فيه الأجيال الجديدة لتأثيراتٍ ثقافيَّة وإعلاميَّة متسارعةٍ، تجعل ترسيخ الهُوِيَّة والقِيَم بحاجةٍ إلى أساليب حديثةٍ أكثر استعدادًا للمنافسة والجذب.

لذلك فإنَّ المتحف الذي يجعل الطفل شريكًا في التجربة، وليس متلقيًا فقط للمعلومة، يوسِّع رسالته من حفظ الماضي إلى صناعة وعي المستقبل. وعليه، فإن فعاليَّة «السَّمْت العُماني» تقدِّم مثالًا جديرًا بالتأمل على قدرة المتاحف على أن تكونَ مؤسَّساتٍ للتنشئة الثقافيَّة والاجتماعيَّة معًا، ومساحاتٍ لغرسِ الوقار والضيافة والاعتزاز بالهُوِيَّة الوطنيَّة، بأُسلوبٍ يجعل القِيمة قابلةً لأن تتمَّ معايشتها قبل أن يتمَّ شرحها، وأن تتمَّ ممارستها عمليًّا قبل أن يتمَّ حفظها وأرشفتها.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»