الأربعاء 09 سبتمبر 2026 م - 27 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

المسؤولية التربوية والتعليمية بين البيت والمدرسة

المسؤولية التربوية والتعليمية بين البيت والمدرسة
الأربعاء - 09 سبتمبر 2026 02:38 م

جودة مرسي


البيت ودوره التربوي، والمدرسة ودورها التعليمي، قضيَّة للنقاش تبدأ مع بداية كل عام دراسي؛ فهي المسرحيَّة السنويَّة المعتادة، حيث تلقي الأُسرة باللوم على المدرسة، والمدرسة تشتكي من الأُسرة، والطالب يقف في المنتصف، لا يعرف هل هو ذاهب إلى المدرسة ليتعلم؟ أم إلى ساحة معركة لتصفية الحسابات بين الكبار؟! حيث وليُّ الأمر يريد من المدرسة ثلاثة أشياء أساسيَّة: التعلُّم، والتربية، ومراقبة السلوك، بالإضافة إلى اكتشاف موهبته، وإخباره بأن النوم المبكر أفضل من السهر أمام الألعاب، والأُم تريد أن تعودَ من العمل لِتجدَ ابنها قد أصبح عبقريًّا في الرياضيَّات، فصيحًا في العربيَّة، متحدثًا بالإنجليزيَّة، ويفضِّل الكِتاب على «التيك توك». أمَّا المدرسة ـ في كثير من الأحيان ـ فتتمنى فقط أن يصلَ الطالب إليها وقد تعلَّم في البيت أبسط قواعد السلوك التي تتمثل في احترام المُعلِّم، وألَّا يضرب زميله، وألَّا يتعامل مع الفصل باعتباره ملعب كرة قَدَم، والحقيقة التي لا يحب أحد سماعها هي أن البيت لا يستطيع أن يحلَّ محلَّ المدرسة، ولا المدرسة تستطيع أن تحلَّ محلَّ البيت؛ فالمدرسة مكان للتعليم والتوجيه وبناء الشخصيَّة واكتشاف المواهب، لكنها ليست مؤسَّسة بديلة عن الأُسرة، وأولياء الأمور عليهم مسؤوليَّة حقيقيَّة، لكنهم أيضًا ليسوا مدرسين خصوصيين يعملون على مدار السَّاعة.

البعض يريد أن يدفع بابنه إلى المدرسة ثم يسلِّمه معها «ضمانًا شاملًا» يقول: أنا أدفع مصاريف المدرسة، إذن فالمدرسة مسؤولة عن كل شيء، والحقيقة أنَّك تدفع مقابل خدمة تعليميَّة، وليس مقابل استئجار أُسرة بديلة. وفي المقابل، هناك مدارس تتعامل مع الطالب وكأنَّه رقم في كشف الحضور والانصراف. وكلَّما ظهرت مُشْكلة، ترمي بالمسؤوليَّة على البيت، وهذا أيضًا ليس حلًّا؛ فالمدرسة ليست بريئة دائمًا من أخطائها، والمُعلِّم ليس معصومًا، والمناهج ليست فوق النقد، والإدارة المدرسيَّة مطالبة بأن تتطورَ وتفهمَ أن التعليم في القرن الحادي والعشرين لم يَعُد مجرَّد كِتاب وسبورة وامتحان؛ لأن الطالب نفسه تغيَّر، ولم يَعُد طفلًا ينتظر حتى يدخل المدرسة لكي يحصلَ على المعلومة، التي أصبحت في هاتفه، وفي جهازه اللوحي، وعلى الإنترنت، وفي فيديو مدَّته دقيقة واحدة يستطيع أن يشاهده قَبل أن يصل إلى المدرسة. وهنا يظهر التحدِّي الحقيقي أمام المدرسة: إذا كان الطالب يستطيع الوصول إلى المعلومة وحده، فما الذي ستضيفه المدرسة؟ الإجابة ليست المزيد من الحفظ، بل هي أن تعلِّمَه كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يستخدم التكنولوجيا بدل أن تستخدمه التكنولوجيا. وذلك لن ينجح إذا عاد الطالب إلى بيت لا يجد مَن يرشده إلى الانضباط، ولا يمكن أن نطلب من المُعلِّم أن يعلِّمَ الطفل احترام الوقت، بينما وليُّ الأمر يتأخر دائمًا عن مواعيده. ولا يمكن أن تطلبَ من المدرسة أن تمنعَ الطفل من الهاتف، بينما الهاتف في يد أفراد الأُسرة منذ الصباح وحتى النوم، ولا يمكن أن نطالبَه بالقراءة، بينما لا يرى في البيت أحدًا يقرأ كتابًا. الأطفال لا يتعلمون ممَّا نقوله لهم فقط، بل ممَّا يرونه أمامهم. وهنا تأتي مسؤوليَّة الأُسرة؛ فالبيت ليس مركز دروس خصوصيَّة، ووظيفة الأب والأُم ليست أن يحلَّا الواجب المدرسي نيابة عن ابنهما، ولا أن يحفظا له الإجابات، ولا أن يعيشا معه في حالة طوارئ دائمة قَبل كل امتحان. المطلوب هو المتابعة، وليس السيطرة، وأن تسأله: ماذا تعلمتَ اليوم؟ وأن تعرف أصدقاءه، وتراقب استخدامه للإنترنت، وتساعده عندما يحتاج إلى مساعدة، مع وضع نظام واضح للنوم والمذاكرة والترفيه، وترك مساحة لكي يتحملَ نتيجة أخطائه؛ لأن الطفل الذي يجد والديه دائمًا خلفه لحلِّ مُشْكلاته قد يكبر وهو ينتظر من الآخرين أن يعيشوا حياته بالنيابة عنه.

أمَّا المدرسة فعليها أن تفهمَ أن دورها أكبر من إكمال المنهج وحفظ أكبر عدد من الصفحات، وإنما أن تجعلَ الطالب يخرج منها وهو أكثر قدرة على التفكير والثقة بالنفس والتعاون وتحمُّل المسؤوليَّة، مع استعادة المُعلِّم لمكانته؛ فلا يمكن أن نطالبَه بأن يكونَ مُعلِّمًا ومرشدًا نفسيًّا وأخصائيًّا اجتماعيًّا ومراقبًا لسلوك الطلاب، ثم نتركه وحيدًا أمام عشرات المُشْكلات، بل إن احترام الطالب لمُعلِّمه، واحترام المُعلِّم للطالب، واحترام الأُسرة للمدرسة، واحترام المدرسة للأُسرة، هو المعادلة. أمَّا المعركة الدائمة بين البيت والمدرسة، فلن يدفعَ ثمنها سوى الطالب، فالجميع يريد مصلحة الطالب.

إننا يجب علينا أن نعيدَ تعريف النجاح؛ إنه ليس مجرَّد حصول الطالب على أعلى درجة فقط، بل أن يعرفَ كيف يتعامل مع الفشل لكي يدركَ النجاح. وإذا أردنا عامًا دراسيًّا ناجحًا فعلينا أن نتوقف عن السؤال: من المسؤول.. البيت أم المدرسة؟ بل: ماذا يفعل البيت؟ وماذا تفعل المدرسة؟ وعلينا إدراك أن التعليم المدرسي والتربية المنزليَّة يجب أن يلتقيا في منتصف الطريق.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»