تُمثِّل الظواهر المُجتمعيَّة غير المنضبطة، الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة والتقنيَّة، وكل ما يتعلق بالسُّلوك اليومي ومنطوق الخِطاب، مخاطر صامتة على استدامة التنمية والتَّماسُك المُجتمعي، وهي حرب ناعمة تتجاوز ـ في تداعياتها ـ الحروب التقليديَّة، وتحدِّيًا كبيرًا للمنظومة التنمويَّة والأولويَّات الوطنيَّة، وتفرض على منظومات الدَّولة ومؤسَّساتها الكثير من الجهد والعمل المشترك والمقنَّن في سبيل مواجهتها والتعامل الواعي معها؛ نظرًا لحجم الخطر الذي ينتج عنها، وهو خطر مركَّب؛ فمع كونه خطرًا أمنيًّا يهدِّد استقرار المُجتمع وتماسُك بنيانه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع المستهدفات التنمويَّة، فإن خطرها الاقتصادي أعظم؛ ذلك أن مخاطر اتِّساع رقعة هذه الظواهر تهدِّد المصالح الوطنيَّة العُليا. فمثلًا، يؤدي اتِّساع الجريمة الاقتصاديَّة، مثل: الاحتيال والفساد وغسل الأموال والفساد الإداري والرشوة واستغلال النفوذ، إلى عرقلة جهود التنمية المستدامة، وزيادة مستوى الهدر في الموارد؛ كونها تصرف اهتمام الدَّولة إلى القضايا الأمنيَّة مع زيادة الإنفاق عليها، وتوجيه كل طاقاتها لمكافحتها؛ ممَّا يؤدي إلى تأخُّر المستهدفات التنمويَّة الوطنيَّة، ويقلِّل من فرص جذب الاستثمارات والمحافظة على تدفُّق الأموال إلى سلطنة عُمان؛ نظرًا لِمَا تحتاجه نظريَّة الاستثمار من بيئة آمنة ومستقرَّة تقلُّ فيها نسبة الجرائم والفساد، وقوانين تجمع بين الإنتاجيَّة والمرونة والكفاءة والقوَّة التي تضع حدًّا لهذه الثغرات والمقلقات.
ولمَّا كانت سلطنة عُمان ليست بمنأى عن وجود هذه الظواهر والتأثر بسلبيَّاتها، فقد جاءت التَّوجيهات السَّامية لِتضعَ النقاط على الحروف، وتؤسِّس لنهجٍ وطني مستدام يقوم على رصد هذه الظواهر ودراستها، وإنتاج الحلول المناسبة لها، منطلقًا من تشخيص المخاطر المترتبة عليها، والآثار الناتجة عنها، وأولويَّة التعامل معها، والأدوات التي تحتاجها، ومستوى انتشارها، والمتغيِّرات أو الظروف التي باتتْ تروِّج لها، وتكاتف جهود الجميع في سبر أعماق هذا الملف، والاستعانة بالخبرات والكفاءات المتخصِّصة في القِطاعات التعليميَّة والبحثيَّة والاستشرافيَّة.
وإنَّ من بين الظواهر المُجتمعيَّة التي باتتْ حاضرةً اليوم في المشهد الوطني، نذكُر ما يأتي:
• ارتفاع معدَّل الطلاق: شهدت وثائق الطلاق ارتفاعات نسبيَّة منذ أكثر من (10) سنوات، مع تذبذب في المعدَّل العام، ووصول عدد الوثائق إلى (4,208) في عام (2025)، وهو أعلى من مستويات عامَي (2020) و(2023). وفي عام (2024)، بلغت وثائق الطلاق (4,122) حالة طلاق، مقارنةً بـ(3,426) في عام (2020). وفي عام (2025)، بلغ عدد وثائق الطلاق (4,208)، مسجِّلًا أعلى عدد، بزيادة نحو (22.8%) عن عام (2020).
وبالتَّالي، يطرح ارتفاع معدَّل الطلاق في سلطنة عُمان، وما يترتب عليه من تحدِّيات اجتماعيَّة واقتصاديَّة، تساؤلات عميقة حول الأسباب الدَّاعمة لهذا الارتفاع، خصوصًا في ظلِّ ما باتَ يترتب عليه، بعد السَّماح للعُمانيين بالزواج من الخارج، من مُشْكلات تتعلق بالنفقة وغيرها من القضايا المستجدَّة التي باتتْ تضع الملف أمام تحدِّيات كبيرة، ناهيك عن ارتباط هذا الطلاق، وهو ما أشرنا إليه في مثال سابق، بظاهرتين مُجتمعيتين سوف نتحدث عنهما في قادم الوقت، وهما: انخفاض نسبة المواليد في سلطنة عُمان، والعزوف عن الزواج من العُمانيَّات أو الطلاق المبكر وتأخير سِن الزواج؛ لِمَا باتَ يُسبِّبه الطلاق من فوبيا الرَّغبة في الإنجاب، ولِمَا تسبَّب فيه الاستهتار بالطلاق وعدم تحمُّل المسؤوليَّة، والزواج الذي لم يستمرَّ سوى سنوات معدودة، لِيتركَ الشَّاب الفتاة مطلقةً وهي في سِن الإنجاب والزهور. الأمر الذي أدَّى إلى عزوف الكثير من الفتيات عن الزواج، وما يعنيه ذلك من تحدِّيات تواجهها الزوجة المطلَّقة، ومتطلبات قادمة لها بشأن النفقة والسَّكن وغيرها من التداعيات الاجتماعيَّة والخلافات الأُسريَّة، وتغييب الودِّ والرحمة والقِيَم المُجتمعيَّة والسَّمْت العُماني. وهي أمور باتتْ تُحدث خللًا في التَّماسُك المُجتمعي والتقارب الأُسري، والتأثير في كيان المُجتمع، بما يضع الجهات المعنيَّة أمام مراجعات وضوابط وسياسات وإجراءات للحدِّ من هذه الظاهرة.
• العزوف عن الزواج: رغم ما تُشير إليه الإحصائيَّات من ارتفاع وثائق الزواج مقارنةً بعام (2023)، والتي بلغت (14,704) وثيقةً، فقد بلغ إجمالي وثائق الزواج لعام (2024)م (17,896) وثيقةً، منها (13,867) زواجًا بين عُماني وعُمانيَّة، و(3,636) زواجًا بين عُماني ووافدة، بينما تمَّ تسجيل (321) زواجًا بين وافدين. كما بلغ عدد وثائق الزواج في عام (2025) نحو (23) ألف وثيقة زواج صادرة من دوائر الكاتب بالعدل، وارتفع عدد وثائق الزواج في عام (2025) بنسبة (29.2%) مقارنةً بعام (2024). لذلك، لا يشهد المُجتمع مُشْكلةً في الزواج، إلَّا أنَّ مسألة العزوف عن الزواج، في مجملها، ذات علاقة بالبُعد الاقتصادي أكثر من غيره من الأبعاد. فمثلًا، انخفاض أعداد المواليد بالمقارنة مع حالات الزواج قد لا يضع انخفاض الزواج مبررًا لانخفاض المواليد؛ ولذلك فالمسألة ـ في تقديرنا ـ أقرب إلى التحدِّي الاقتصادي وتأمين المستقبل، الأمر الذي يتَّجه فيه الزوجان إلى تأخير الإنجاب، وتصبح أولويَّة الإنجاب الحلقة الأضعف في المعادلة الزواجيَّة. وفي الوقت نفسه، يظلُّ منحنى شهادات الطلاق في سلطنة عُمان متذبذبًا بمتوسِّط قدره (3,749) شهادة طلاق خلال السنوات العشر الماضية. وفي تقديرنا الشخصي، فإن الطلاق بمعطياته الحاليَّة باتَ أحَد الأسباب التي تقف خلف هذا الانخفاض في المواليد، والذي يتَّجه فيه الواقع إلى أمريْنِ أساسيين: أولهما امتناع الفتاة عن الزواج حتى سنٍّ متقدِّمة، ورفض الزواج نظرًا إلى الصورة السلبيَّة التي قدَّمتها الزيجات الأخرى في العائلة، والأثر السلبي الذي تركته «فوبيا الطلاق» لدى الكثير من الفتيات، أو ما تركته أيضًا من صورة ذهنيَّة سلبيَّة لدى الأُسرة التي تتَّجه إلى عدم الموافقة على تزويج بناتها الأخريات إلَّا بشروط، وأوَّلها المسكن المستقل، الذي يجب أن يصبح شرطًا رئيسًا لأيِّ وليِّ أمْرٍ لقَبول زواج ابنته، ويتمُّ ذلك عبر وثيقة رسميَّة تمنع الزوج من تسكين زوجته في بيت العائلة. وثانيهما تأجيل رغبة الفتاة في الإنجاب، وكأنَّ لسان حال الكثير منهنَّ، في ظلِّ اتِّساع ظاهرة الطلاق المبكر بعد الزواج بسنة أو أقل، ثم ترك الزوجة تتحمل مسؤوليَّة إنجاب طفلها ورعايته، بينما يتَّجه الزوج إلى الزواج من أخرى، أن ذلك أصبح أمرًا شائنًا وسلوكًا غوغائيًّا يمارسه الذكور بتشجيع مؤسف من الأُسرة أو المُجتمع، وبمبرِّرات واهية. وما باتَ يصاحب ذلك من مُشْكلات أُسريَّة وقطيعة في العلاقات يجعل الكثير من الزوجات يتَّجهن إلى عدم الحمل أو اتِّخاذ قرار عدم الرَّغبة في الإنجاب. كما أنَّ تشخيص انخفاض المواليد وعلاقته بالحالة الزواجيَّة أو بالعزوف عن الزواج في سلطنة عُمان باتَ مهمًّا، وفَهْم تفاصيل هذه الحالة ينبغي أن يحظى بالمزيد من العُمق والتحليل والدراسة والتأمل، والخروج بأدوات واضحة تحافظ على الصحَّة الإنجابيَّة، وتُبقي معدَّل الخصوبة مرتفعًا.
• انخفاض معدَّلات المواليد: تُشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أنَّ عدد المواليد الأحياء انخفض من (90,371) في عام (2017) إلى (69,445) في عام (2025)، أي بنسبة انخفاض بلغت نحو (23.2%) خلال ثماني سنوات. وفي عام (2025)، بلغ إجمالي المواليد (69,445)، منهم (61,842) عُمانيًّا، وبلغ عدد المواليد الوافدين (7,603)، مقابل (70,209) مواليد في عام (2024)، أي بانخفاض إجمالي قدره (1.1%). أمَّا المواليد العُمانيون فانخفضوا من (63,187) إلى (61,842)، أي بنسبة (2.1%). كما انخفض معدَّل الخصوبة الكلِّي من مستويات تقارب (2.9) مولود للمرأة في منتصف العقد الماضي إلى نحو (1.9) في عام (2024). وفي المقابل، فإنَّ ارتفاع عدد المواليد الوافدين وانخفاضه لدى العُمانيين يضع الجهات المعنيَّة أمام ضرورة تقديم إجابات مقنعة واستراتيجيَّات حكيمة لتفسير هذا الارتفاع لدى الوافدين والانخفاض لدى المواطنين، وتأثيرات ذلك في زيادة العمالة الوافدة، وانعكاساته على الضغط على الموارد الوطنيَّة، وخصوصًا المدارس والمنشآت السياحيَّة العامَّة والطرقات. وبالتَّالي، فإنَّ قراءة هذه العلاقة السببيَّة بحاجة إلى الوقوف عليها وفَهْم متعلقاتها، عبر مراكز تحليل اقتصادي وسكَّاني مستقلة، تقرأ موجِّهات الخطر القادمة وتأثيراتها في البنية السكانيَّة والموارد الوطنيَّة والتشغيل وسوق العمل، الذي باتتْ تُشكِّل فيه العمالة الوافدة رقمًا صعبًا وحضورًا واسعًا يفوق أعداد العُمانيين، بينما يظلُّ المواطن باحثًا عن العمل حتى في القِطاعات الواعدة، التي تتزايد فيها أعداد المخرجات من حملة الدرجة الجامعيَّة الأولى والدبلوم المتوسط.
أخيرًا، فإنَّ معالجة هذه الظواهر وغيرها من التحدِّيات المتعلقة بالطلاق وانخفاض أعداد المواليد والتحوُّلات الاقتصاديَّة والسلوكيَّة بحاجة إلى موجِّهات عمل وأدوات تشخيص تنتقل من رصد الظواهر إلى صناعة الحلول وتجريب الأدوات. وهو ما يستدعي اليوم مزيدًا من العمل الجمعي، والابتكار في الأدوات، والجاهزيَّة النفسيَّة والفكريَّة والمعلوماتيَّة، واستخدام الأدوات المبتكرة القادرة على الانتقال من مرحلة ردِّ الفعل إلى كفاءة أدوات التشخيص، وبناء استراتيجيَّات المواجهة المنظِّمة والمؤطّرة، وتعظيم القدرة الوطنيَّة عبر إعادة إنتاج الفرص الوطنيَّة والمُقوِّمات الفكريَّة والقِيَميَّة والأخلاقيَّة، واستنطاق القِيَم الدِّينيَّة، واستنهاض الروح الإيجابيَّة في حياة المواطن... وإلى لقاء آخر لاستكمال بقيَّة هذه الظواهر.
د.رجب بن علي العويسي