كلَّما تابعتُ ما تُعلنه سلطنة عُمان من خطوات لتأسيس اقتصاد الهيدروجين الأخضر، بدتْ أمامي الصورة وكأنَّها تقترب من الاكتمال؛ فهناك مساحات شاسعة، ومعدَّلات مرتفعة من الإشعاع الشمسي، ومواقع تتمتع بطاقة رياح واعدة، إلى جانب موقع جغرافي يفتح الطريق إلى أسواق آسيويَّة وأوروبيَّة تبحث عن مصادر طاقة أقلّ انبعاثًا. كما أنَّ الأمر لم يتوقف عند حدود امتلاك الطبيعة؛ فقد انتقلت السلطنة إلى الحوكمة والتخطيط العلمي، وتخصيص الأراضي، وطرح المشروعات، وجذب المطوِّرين والمستثمرين، والعمل على بناء صناعة جديدة يمكنها أن تضيف مسارًا مهمًّا إلى الاقتصاد الوطني. وكان يراودني شعور بأنَّ جزءًا ما لا يزال غائبًا عن هذه الصورة، إلى أن قرأت خبر انضمام سلطنة عُمان ـ ممثلةً في وزارة الطاقة والمعادن ـ إلى الشراكة الدوليَّة للهيدروجين وخلايا الوقود في الاقتصاد، وعندها بدا لي أنَّ القطعة الناقصة تتمثل في الانتقال من بناء الصناعة داخل الحدود إلى المشاركة في بناء السوق العالميَّة التي ستعمل داخلها.
فالطبيعة قد تمنح الدولة الشمس والرياح، والسياسات قد تهيئ الأرض لإقامة المشروعات، والاستثمارات قد توفِّر التقنيَّة ورأس المال، وامتلاك القدرة على إنتاج الهيدروجين الأخضر لا يعني تلقائيًّا امتلاك سوق قادرة على استيعابه؛ فهذه صناعة عابرة للحدود، يتوقف مستقبلها على اتفاق الدول حول تعريف الهيدروجين منخفض الانبعاثات، وطرق قياس بصمته الكربونيَّة، وشهادات المنشأ، وضوابط السَّلامة، ومتطلبات النقل والتخزين والتصدير. وقد تنجح دولة في إنتاج الهيدروجين بتكلفة تنافسيَّة، ثم تجد نفسها أمام أسواق لا تعترف بالشهادات التي أصدرتها، أو تضع شروطًا فنيَّة لم تشارك هي في صياغتها. ومن هنا، فإنَّ المنافسة المقبلة لن تدور حول تكلفة الإنتاج وحدها؛ فجانب مهمٌّ منها سيُحسم داخل اللجان والمنصَّات التي تضع القواعد، وتحدِّد المعايير، وترسم اتِّجاهات التجارة، وهو ما يمنح الحضور العُماني المبكر في هذه الشراكة قِيمة تتجاوز الحصول على عضويَّة جديدة أو إضافة اسم السلطنة إلى قائمة الدول المشاركة.
أرى أنَّ أهميَّة الانضمام تكمن في أنَّه يتيح لسلطنة عُمان الانتقال من متابعة ما تقرِّره الأسواق الكبرى إلى المشاركة في النقاشات التي تصوغ سياسات الصناعة ومعاييرها. كما يفتح المجال للاستفادة من تجارب الدول الأخرى في التشريعات والتمويل والبنية الأساسيَّة والنقل والتخزين، ويوفِّر قنوات اتِّصال مباشرة مع المنتجين والدول المستهلكة والمشترين المحتملين، ويساعد على ربط المشروعات العُمانيَّة بالطلب العالمي منذ مراحلها الأولى، عوضًا عن إنتاج الهيدروجين ثم بدء البحث عن سوق له. كما تتيح الشراكة فرصًا للانخراط في برامج البحث والابتكار والمشروعات التجريبيَّة، وإعداد الكفاءات الوطنيَّة قبل انتقال المشروعات الكبرى إلى مراحل التشغيل. وهنا ينبغي ألَّا نقيس قِيمة الانضمام بعدد الاجتماعات التي تحضرها السلطنة أو الصور التي تُلتقط على هامشها؛ فالقِيمة الحقيقيَّة لأيِّ شراكة دوليَّة تُقاس بحجم المعرفة التي تنتقل، والفرص التي تفتح، والعقود التي تُبرم، وقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل كل ذلك إلى مكاسب ملموسة.
ولا تمنح العضويَّة الدوليَّة ضمانًا آليًّا للنجاح؛ فاقتصاد الهيدروجين العُماني لن تُقاس جدواه مستقبلًا بعدد الأطنان التي تغادر الموانئ، ويجب أن يمتدَّ القياس إلى ما يبقى داخل سلطنة عُمان من صناعات وخدمات ووظائف وخبرات وقدرات بحثيَّة، وما تتمكن المؤسَّسات الوطنيَّة من الحصول عليه داخل سلاسل القِيمة الممتدَّة من تصنيع المعدَّات والهندسة والإنشاء إلى التشغيل والصيانة والنقل والتخزين. فالهدف أن نُصدِّر مصدرًا جديدًا للطاقة، ونوطِّن أكبر قدر ممكن ممَّا يلزم لإنتاجه. وقد أصبحت السلطنة اليوم تمتلك الموارد الطبيعيَّة، والتخطيط، والأراضي، والمشروعات، والحضور داخل المنظومة الدوليَّة، وبقي التحدِّي الأكبر في جمع هذه العناصر داخل منظومة اقتصاديَّة متكاملة تتجاوز الإنتاج إلى توطين المعرفة والصناعة. فالجلوس إلى طاولة المستقبل إنجاز مهمٌّ، ويكتمل هذا الإنجاز بأن يكون لعُمان دور في تحديد ما سيُوضع على هذه الطاولة، ونصيب واضح ممَّا ستنتجه.
إبراهيم بدوي