الاثنين 07 سبتمبر 2026 م - 25 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : المواصفات القياسية بوابة الجودة والتنافسية

الاثنين - 07 سبتمبر 2026 03:00 م

رأي الوطن

يُمثِّل النُّمو الذي حقَّقته سلطنة عُمان بنسبة (33.8 بالمئة) في مؤشِّر المواصفات القياسيَّة العُمانيَّة والخليجيَّة، بنهاية الرُّبع الثاني من عام (2026)، دلالةً على التطوُّر المتسارع في البنية الفنيَّة الدَّاعمة للاقتصاد الوطني، خصوصًا مع تجاوز مستهدف الفترة بنسبة (65 بالمئة)، وارتفاع نسبة الإنجاز في مشروعات الخطَّة السنويَّة إلى أكثر من (80 بالمئة). وهي نتائج تُظهر اتِّساع العمل على بناء منظومة تواكب احتياجات القِطاعات الإنتاجيَّة والخدميَّة، وتضع للجودة والسَّلامة والكفاءة مرجعيَّاتٍ واضحةً تحكم حركة السِّلع والخدمات. فالمواصفة القياسيَّة تمتدُّ آثارها إلى خطوط الإنتاج والأسواق وقرارات الاستثمار وحماية المستهلك، وتُشكِّل إحدى القواعد التي يستند إليها الاقتصاد في رفع كفاءته وتعزيز قدرته على المنافسة.

ولعلَّ القِيمة الاقتصاديَّة الأهم للمواصفات القياسيَّة تتمثَّل في قدرتها على تحويل الجودة من تقدير نسبي إلى متطلبات فنيَّة واضحة يمكن قياسها والتحقُّق منها، وهو ما يساعد المنتج على معرفة الاشتراطات المطلوبة قَبل بدء الإنتاج أو تقديم الخدمة، ويخفِّض احتمالات رفض السِّلعة أو إعادة فحصها عند دخول الأسواق الخارجيَّة. كما يمنح المستورد والمستهلك قدرًا أكبر من الثقة بالمنتج العُماني، ويحدُّ من العوائق الفنيَّة أمام حركة التجارة. وتكتسب هذه المنظومة أهميَّة مماثلةً في تحسين بيئة الاستثمار؛ فوضوح المتطلبات يتيح للمستثمر تقدير احتياجات المشروع والتزاماته منذ البداية، ويُقلِّل مساحة الاجتهاد وتفاوت التطبيق، ويجعل التنافس قائمًا على الجودة والكفاءة والقدرة على التطوير، بما يدعم نفاذ المنتجات الوطنيَّة إلى الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة، ويُعزِّز حضورها واستدامتها فيها.

ويكشف تنوُّع مشروعات المواصفات التي تعمل عليها سلطنة عُمان عن توجُّه يستبق التحوُّلات الاقتصاديَّة والتقنيَّة؛ إذ تمتدُّ المشروعات إلى الذَّكاء الاصطناعي، وجودة البيانات، والطاقة المُتجدِّدة، والمَركبات الكهربائيَّة، والإنترنت الصناعي، وصولًا إلى سلاسل التبريد، والخدمات اللوجستيَّة، والسياحة. وهو اتِّساع ينقل التقييس من مواكبة القِطاعات القائمة إلى الاستعداد لاقتصاد المستقبل وتقنيَّاته وأسواقه. ويتأكد هذا التوجُّه فيما تتضمنه المنظومة من مواصفات مرتبطة بالاستدامة، وكفاءة الطاقة، وتقليل الانبعاثات، وإدارة النفايات، والمواد البلاستيكيَّة القابلة للتحلُّل، إلى جانب الاهتمام بمنتجات وأنشطة متَّصلة بالهُوِيَّة والبيئة العُمانيَّة، مثل زيت اللبان، وماء اللبان، وقوارب الصَّيد، بما يحفظ جودتها، ويرفع قِيمتها الاقتصاديَّة، ويوفِّر لها أساسًا فنيًّا يساعدها على التوسُّع والوصول إلى شرائح أوسع من المستهلكين.

إنَّ تعظيم أثَر هذا التطوُّر يتطلب انتقال المواصفات من الوثائق والأدلَّة الفنيَّة إلى ثقافة إنتاج وممارسة يوميَّة داخل المصانع والمنشآت ومواقع تقديم الخدمات، وهو ما يستدعي تعزيز وعي المؤسَّسات الصغيرة والمتوسِّطة بالمتطلبات القياسيَّة، وتوفير الإرشاد الفنِّي الذي يساعدها على تطبيقها، ودعم المختبرات وجهات الفحص والمطابقة بما يَضْمن الدقَّة والسُّرعة وكفاءة التنفيذ. كما تظلُّ الشراكة بين الجهات الحكوميَّة والقِطاع الخاص والجامعات والمؤسَّسات البحثيَّة أساسًا لتطوير مواصفات تستجيب لواقع السوق وتواكب تطوُّر الصناعة. وتكتسب مشاركة أكثر من (170) عضوًا عُمانيًّا في اللجان الفنيَّة أهميَّتها من قدرتها على توسيع قاعدة الخبرات الوطنيَّة، وإشراك القِطاعات المعنيَّة في صياغة المتطلبات التي تنظِّم أعمالها. فالاستثمار في المواصفات هو استثمار في سمعة المنتج العُماني، وثقة المستهلك، وسلامة السوق، وقدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة والنُّمو.