ترأَّست سلطنة عُمان مؤخرًا الاجتماع الأُممي الثالث للَّجنة الدوليَّة لمؤتمر إنشاء منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، والذي يهدف إلى التوصُّل إلى معاهدة جديدة تُخلي منطقة الشرق الأوسط من هذا النوع من الأسلحة؛ لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. ناقش المؤتمر آراء الخبراء القانونيين والفنيين المتخصِّصين المشاركين؛ للتعرُّف على التجارب التي يمكن الاستفادة منها عند التفاوض على معاهدة جديدة خاصَّة بمنطقة الشرق الأوسط.
أكدت سلطنة عُمان أهميَّة التوافق بين الدول الأعضاء، وتعميق الفهم المشترك حول عدد من المسائل المرتبطة بالمعاهدة المستقبليَّة، وضرورة بناء أرضيَّة مشتركة تُسهم في إحراز تقدُّم في المفاوضات القادمة، وتتجنب نقاط الخلاف وأسباب الإخفاق التي منعت دول المنطقة، طوال العقود الماضية، من إبرام اتفاقيَّة ملزمة توقف الانتشار النووي وتمنع أسلحة الدمار الشامل.
تعدَّدت المبادرات الدوليَّة لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، ولكن كانت العقبة الرئيسة التي تحول دون ذلك «إسرائيل»، التي ترفض ـ بشكل قاطع ـ الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النوويَّة، أو الاعتراف بأنشطتها النوويَّة، وبالتَّالي خضوع منشآتها العسكريَّة لقواعد الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة، في الوقت الذي تُصرُّ فيه على إلزام دول المنطقة بالانضمام إلى هذه المعاهدة. ولا توجد مؤشِّرات على تغيُّر موقفها في الوقت الحالي، ضاربةً عرض الحائط بالقرارات الدوليَّة المتكررة منذ العام (1995) بإنشاء شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، بما في ذلك النوويَّة والكيميائيَّة والبيولوجيَّة.
كافَّة الدول العربيَّة ـ من الخليج إلى المحيط ـ أعضاء في معاهدة منع انتشار الأسلحة النوويَّة، ووافقت على نظام الضمانات والتفتيش الخاص بالوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة على برامجها السلميَّة، بينما تمتلك «إسرائيل» عدَّة مفاعلات ومنشآت نوويَّة لا تخضع لأيِّ ضمانات للبرنامج النووي للوكالة الدوليَّة، ويُرجَّح امتلاكها أسلحة نوويَّة غير معلنة. وكانت حجَّتها في الماضي أنها تواجه تهديدات وجوديَّة، مرددةً عبارة «إلقاء إسرائيل في البحر» التي لم يثبت ورودها على لسان أيِّ زعيم عربي. كما لا توجد مبررات، بعد إبرامها معاهدتَي سلام مع مصر والأردن، تمَّ احترامهما طوال العقود الأربعة الماضية، والتهديدات الأمنيَّة التي تدَّعيها «إسرائيل» سببها احتلال الأراضي الفلسطينيَّة ورفض حلِّ الدولتين، ولا يمكن معالجة قضيَّة داخليَّة باستخدام الأسلحة النوويَّة.
يجب أن يتعامل المُجتمع الدولي مع قضيَّة «منع انتشار أسلحة الدمار الشامل» بنهج متوازن، دون تحيُّز أو مجاملة؛ ففي السنوات الأخيرة، تنصَّلت القوى الكبرى من القيام بدورها في نزع أسلحة الدمار الشامل، ولم تتَّخذ خطوات لنزع السِّلاح النووي، وانسحب الروس من اتفاقيَّة «تدابير زيادة تخفيض الأسلحة الهجوميَّة الاستراتيجيَّة والحدِّ منها»، المعروفة بـ«نيو ستارت»، وسبقها انسحاب مشابِه من الإدارة الأميركيَّة، ورفضت «إسرائيل» التصديق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النوويَّة في الشرق الأوسط، والتزمت الصَّمْت إزاء معاهدة وقف إنتاج المواد الانشطاريَّة التي يمكن أن تُستخدم في صنع الأسلحة النوويَّة.
بُذلت محاولات عربيَّة منذ سبعينيَّات القرن الماضي لمعالجة القضايا النوويَّة في الشرق الأوسط، بينما قامت «إسرائيل» بالتهديد باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد العراق في العام (1990)، وتدخلت مصر بطرح مبادرة لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، وبذلت جهودًا دبلوماسيَّة واسعة، ومارست ضغوطًا شديدة من أجلِ إقناع «إسرائيل» بالانضمام إلى المعاهدة، ولكنَّها راوَغت، وربطت انضمامها بإحلال السَّلام العربي «الإسرائيلي» الشامل، وتوقيع معاهدات سلام مع كافَّة الدول العربيَّة، ورفضت توثيق هذا التعهد، وأكد إسحاق شامير أنه غير ملتزم بأيِّ اقتراحات وافق عليها سلفه شيمون بيريز.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري