سواء كُنَّا أفرادًا أو جماعات أو حضارات، فالمُنجز العلمي الإنساني يبدأ وينمو ويتطوَّر عَبْرَ جهود ترفد وتسقي بعضها. بمعنى أنَّ ما تُحقِّقه حضارة اليوم من ثورات علميَّة إنَّما بُنيَت أساساتها على تجارب وأبحاث حضارات سابقة. والمنجزات العلميَّة المفرطة في طفراتها وثوراتها الَّتي نقلت إنسان اليوم إلى الفضاء، وحلَّلت وشرحت الكيان البَشَري وفكَّكت جيناته الوراثيَّة وسَعَت إلى استنساخه وفَهْم مشاعره وأحاسيسه ونمط سلوكه وما يؤثِّر فيها سلبًا أو إيجابًا، وصناعة وتطوير الذَّكاء الاصطناعي الَّذي سيُحدث انقلابًا في حياة البَشَر... ألْهَبَت المشاعر وبثَّت الخوف وحفَّزت على طرح الأسئلة وأثارت النِّقاشات الفكريَّة والفلسفيَّة والعلميَّة، وجعلت من الثَّابت متحوِّلًا، وقوَّضت المُسلَّمات والأفكار والبنى والهياكل الدينيَّة والاجتماعيَّة والمذاهب الفلسفيَّة والاقتصاديَّة والسِّياسيَّة، بما فيها الحديثة الَّتي ظهرت أخيرًا... وبالمختصر المُفيد فإنَّ «صعود العِلم الحديث غير من القواعد الأساسيَّة لِلُّعبة البَشَريَّة»؟ فما الَّذي يخبِّئه لنَا المستقبل أمام هذا التسارع الهائل الَّذي يُحقِّقه العِلم؟ يُشير الكاتب إلى أنَّ القرن «الحادي والعشرين سوف يشهد ثلاثة تطوُّرات عمليَّة وهي «أوَّلًا: فقدان البَشَر تأثيرهم الاقتصادي والعسكري، وبالتَّالي لَنْ يوليَهم النِّظام الاقتصادي والسِّياسي قِيمة كبيرة. ثانيًا: يجد النِّظام قِيمة في البَشَر كجماعة، ولكن ليس كأفراد لكُلٍّ مِنْهم قِيمة فريدة. ثالثًا: يجد النِّظام قِيمة في بعض الأفراد النَّادرين، وليس في جموع البَشَر، وسوف يُشكِّل هؤلاء النَّادرون نخبة جديدة من البَشَر الخارقين». وفي فحصه وتمحيصه لهذه التطوُّرات العلميَّة المُذْهلة، يستخلص الباحث بأنَّ أوَّلًا: «التطوُّرات التقنيَّة ستجعل البَشَر عديمي الفائدة اقتصاديًّا وعسكريًّا...»، ممَّا «سيقوِّض مؤسَّسات الليبراليَّة، كالديمقراطيَّة والأسواق الحُرَّة...»، وجميع الصِّيغ والمفاهيم والآليَّات والنُّظم المرتبطة بها، وسوف تتراجع قِيمة الإنسان الَّتي كانت في مركزيَّة القِيَم الليبراليَّة، يقدِّم الكاتب نماذج وأمثلة مقارنة، للقِيمة الَّتي سوف تحتلُّها التقنيَّة في المستقبل القريب «الروبوتات وأجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) والطَّابعات ثلاثيَّة الأبعاد والأنظمة الذَّكيَّة»، في مقابل الإنسان، لِنفترضَ «أنَّ طائرتيْنِ مُسيَّرتيْنِ تتقاتلان في الهواء، لا يُمكِن لإحداهما إطلاق النَّار من دُونِ أن تتلقَّى ضوءًا أخضر من مُشغِّل بَشَري قابع في مخبأ بعيد، بَيْنَما الأخرى ذاتيَّة التحكُّم تمامًا، أيُّهما تعتقد أنَّها ستنتصر في ذلك القتال؟» وفي مثال آخر من ميدان مختلف، «قامت خوارزميَّة بتشخيص (٩٠%) من حالات سرطان الرِّئة المعروضة عَلَيْها بشكلٍ صحيح، بَيْنَما كان معدَّل الأطبَّاء البَشَريِّين (٥٠%) فقط...». و»في عام ٢٠١١، افتُتحت صيدليَّة في سان فرانسيسكو يُديرها روبوت واحد. قدَّم الروبوت الصيدلي في السَّنة الأولى من تشغيله مليونَيْ وصفة طبيَّة من دُونِ ارتكاب خطأ واحد...». ما هو السيناريو المستقبلي المتوقع للتقدُّم الَّذي يشهده العِلم خصوصًا في مجال «الذَّكاء الاصطناعي»، أو هيمنة «خوارزميَّات (الحاسوب) الكمبيوتر»، على مئات الوظائف والأعمال الَّتي تعول ملايين الأُسر من حَوْل العالَم؟ يُشير الكاتب إلى أنَّ «الخوارزميَّات تدفع البَشَر إلى الخروج من سُوق العمل، وقَدْ تتركَّز الثَّروة والسُّلطة في أيدي النُّخبة الصغيرة الَّتي تمتلك الخوارزميَّات القويَّة، ممَّا يؤدِّي إلى نشوء تفاوت اجتماعي وسياسي غير مسبوق. حيث يتمتع اليوم الملايين من سائقي سيَّارات الأجرة والحافلات والشَّاحنات بنفوذ سياسي واقتصادي كبير، كُلٌّ مِنْهم يستحوذ على حصَّة ضئيلة في سُوق النَّقل، وإذا تعرَّضت مصالحهم الجماعيَّة لِلتَّهديد، فيُمكِنهم حينها تكوين نقابات، والإضراب عن العمل، والمقاطعة، وإنشاء كُتل تصويت قويَّة. ومع ذلك بمجرَّد أن يتمَّ استبدال ملايين السَّائقين البَشَريِّين بخوارزميَّة واحدة، فإنَّ كُلَّ هذه الثَّروة والسُّلطة ستكُونُ في يَدِ الشَّركة الَّتي تمتلك الخوارزميَّة وملَّاكها المعدودين من المليارديرات»، بل و»يُمكِن أن تمتلَك الخوارزميَّة بعد ذلك إمبراطوريَّة نقل أو صندوق رأس مال استثماري من دُونِ الاضطرار إلى إطاعة رغبات أيِّ سَيِّد بَشَري». قدَّرت دراسة متخصِّصة، نُشرت في أميركا في ٢٠١٣ بأنَّ «٤٧%» من الوظائف الأميركيَّة معرَّضة لخطرٍ كبير»، إذ من المتوقَّع أن تحلَّ الخوارزميَّات محلَّها»، بل ولا يستبعد أن «يتجاوزَ الذَّكاء الاصطناعي الذكاء البشري، فيقضي بكل بساطة على البشرية»، فأيُّ مستقبل ينتظر الإنسان، إذا ما أصبحت حياته رهنًا بروبوت وآلة مبرمجة قَدْ تنقلب عَلَيْه فتتحكم فيه، بدلًا من أن يسيرَها هو ويستعبدَها فيوظفَها لخدمة أغراضه ومصالحه؟ التَّهديد الثَّاني: يتمثل في أنَّ النِّظام الخوارزمي «سيكُونُ قادرًا على فَهْم البَشَر أكثر من فَهْمهم لأنْفُسهم، وسيتَّخذ عَنْهم قراراتهم المُهِمة، مصادِرًا بذلك سُلطتهم وحُريَّتهم... فالخوارزميَّة الَّتي تراقب جميع الأنظمة المُكوِّنة لجسَدي ودماغي ستتمكَّن من معرفتي حقًّا، وإدراك مشاعري ورغباتي. وبمزيدٍ من التطوير، ستصبح تلك الخوارزميَّة بديلًا للنَّاخب والزبون والرائي. فالخوارزميَّة ستعرف أفضل، وستكُونُ دومًا على حقٍّ، وسيكُونُ الجَمال في عَيْن حساباتها... فبمجرَّد أن يتحوَّلَ كُلٌّ من جوجل وفيسبوك والخوارزميَّات الأخرى إلى عرَّافين ذوي دراية كاملة، فقَدْ تتطوَّر هذه الخوارزميَّات لِتغدوَ وكيلة تتصرَّف نيابةً عنَّا ثمَّ تتمتَّع في نهاية المطاف بهيمنة كاملة عَلَيْنا...». التَّهديد الثَّالث: الَّذي يواجه قِيَم الليبراليَّة يتمثل في حاجة النِّظام الخوارزمي التِّقني إلى مجموعة «خارقة من البَشَر هي الَّتي ستُصبح النُّخبة الصَّغيرة، المتميِّزة الَّذين سيُسمح لَهُم بالاستمرار في اتِّخاذ أهمِّ القرارات في العالَم، وسيقدِّمون للنِّظام خدمات جوهريَّة لا يستطيع فَهْمها ولا إدارتها» سواهم، فيما سيبقى السَّواد الأعظم من النَّاس «طبقة أدنى يهيمن عَلَيْها كُلٌّ من خوارزميَّات الحاسوب (الكمبيوتر) والبَشَر الخارقين الجُدُد...». ولا يفوت الكاتب التأكيد على أنَّ ما يطرحه ليست نبوءات مؤكَّدة لِشكْلِ المستقبل، ولكنَّها مؤشِّرات وتوقُّعات قَدْ تتحقَّق وقَدْ تعيقها معيقات تبطئها أو تتسبب في إخفاقها وفشلها، ولكن ما هو مؤكَّد أنَّ «الإنسانيَّة الليبراليَّة في طريقها للتَّواري في مقابل الإنسانيَّة التِّقنية»، وما يُثير الاهتمام في عالَم اليوم وما يتطلع إِلَيْه الإنسان في المستقبل سوف يأتي من «وادي السيليكون، فهو المكان الَّذي يُعد لنَا فيه أرباب التِّقنية الفائقة أديانًا جديدة، لهَا علاقة وثيقة بالتِّقنية...»، إنَّ التقدُّم السريع الَّذي يفرضه الذَّكاء الاصطناعي والطُّموحات المرتبطة به، سوف «يحول العالَم قطعًا، لكنَّه لا يفرض نتيجة حتميَّة بعَيْنها»، ولكن الضرورة تحتِّم بأن نكُونَ على عِلم ووعي وفَهْم «لجميع السيناريوهات الواردة في الكِتاب على أنَّها احتمالات وليست نبوءات، وإذا لَمْ تعجبك بعض تلك الاحتمالات، فلك حُريَّة التَّفكير والتصرُّف على نَحْوٍ مغاير يمنع تحقُّقها». لقَدْ قدَّم «يوفال نوح هراري»، رؤيته عن الإنسان والوجود، في محاور تستمدُّ محتواها وخلاصاتها من التَّاريخ وأحداث الماضي من جهة، ومن النَّتائج والإنجازات الَّتي توصَّلت لهَا الثَّورات العلميَّة وعصر الذَّكاء الاصطناعي من جهة أخرى، والَّتي أحدثت تحوُّلات في القِيَم والسُّلوك الإنساني وشرخًا عميقًا في الكثير من الثَّوابت الَّتي شكَّلت دعامات حياة الإنسان وكانت ملجأه وركنَه الَّذي يلتجئ إِلَيْه وعَلَيْها يسند ويبرِّر ويقيس كُلَّ أعماله ويخطِّط كذلك لِمستقبلِه، وتُشعره بشيء من الطمأنينة والاستقرار وراحة البال، وقدَّم رؤيته الاستشرافيَّة للمستقبل على دعامات ما حقَّقه العِلم من إنجازات في الحاضر... كان بحقٍّ كتابًا مفعمًا بالإثارة والتَّشويق والمُتعة، يحتشد بالملاحظات والأفكار والاستنتاجات الحيَّة والوجيهة الَّتي تدعو إلى التدبُّر والتأمل والدَّهشة، وحاول الإجابة على الكثير من الأسئلة الإشكاليَّة الَّتي ظلَّت مفتوحة وكانت وما زالت تطرح ذاتيًّا أو في إطار النِّقاشات الخاصَّة والكتب والدِّراسات المتخصِّصة، وظلَّت أسئلة أخرى معلَّقة دُونَ إجابات، تحفِّز على الاجتهاد وتعتمد على ما يخبِّئه المستقبل من إنجازات علميَّة جديدة، فما أجمل القراءة وأمتع الغوص في صفحات الكتب والاستفادة ممَّا أنتجته العقول العظيمة والثَّقافات والشعوب ودُور النَّشر من آداب وعلوم ومعارف تنتمي إلى جميع الحقول والتخصُّصات.
سعود بن علي الحارثي