الاثنين 07 سبتمبر 2026 م - 25 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

إعادة تعريف دورنا الوطني فـي البيئة الدولية المعاصرة فـي ظل التحولات الجيوسياسية فـي الشرق الأوسط «2-2»

إعادة تعريف دورنا الوطني فـي البيئة الدولية المعاصرة فـي ظل التحولات الجيوسياسية فـي الشرق الأوسط «2-2»
الأحد - 06 سبتمبر 2026 02:57 م

محمد بن سعيد الفطيسي

20

مَن هم أعداؤنا وحلفاؤنا اليوم، وفي الغد القريب والبعيد، استنادًا إلى خريطة سياسيَّة دوليَّة شديدة التعقيد والتغيير؟ كيف نعرفهم؟ وكيف يمكن التأثير عليهم لصالحنا؟ وكيف ومتى يمكن أن نقرِّرَ الانضمام والاصطفاف مع الآخرين لمواجهة تحدِّيات ومُشْكلات النظام العالمي الراهن؟ وهل نحن مضطرون إلى ذلك؟ هل يجب أن ننطلق من الأرضيَّة الصلبة لمصالحنا الوطنيَّة بشكلٍ مادِّي؟ أم يمكن أن نأخذَ في الحسبان مصالح مُجتمع دولي موهوم وواهن، كما وصفته مستشارة الأمن القومي السابقة كوندوليزا رايس؟

أين يمكن أن نضع تلك القِيَم الإنسانيَّة والأخلاقيَّة التي حافظت عليها السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة لأكثر من أربعة عقود ونصف العقد، فيما يُطلق عليه المثاليَّة السياسيَّة، في ظل بيئة سياسيَّة تغلب عليها الماديَّة السياسيَّة، وسرعة تقلُّب الصداقات والعداوات، وعدم الإيمان إلَّا بالمصالح المنفردة؟

هل نحن مستعدُّون بالفعل للولوج إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بما يحمله معه من سيناريوهات كارثيَّة تعجُّ بالفوضى والصراعات العابرة للحدود الوطنيَّة، وارتفاع مصادر التهديد وعدم الاستقرار السياسي والأمني في البيئة الدوليَّة؟

وكما يشير إلى ذلك إيرل تيلفورد، فإن مصادر عدم الاستقرار في القرن الحادي والعشرين ستشتمل على العديد من المخاطر السياسيَّة والاقتصاديَّة، مثل «التفاوت الاقتصادي، والصراعات العِرقيَّة والدِّينيَّة، وفشل الديمقراطيَّة في بعض الدول، وسيكون النشاط الإجرامي، الذي يشمل تجارة المخدرات، أحد الأساليب المستخدمة لتعويض الفجوة الواضحة والمتسعة دومًا بين الأغنياء والفقراء. كما أن الاستقرار الدولي سيواجه أيضًا تحدِّيًا من الحركات الانفصاليَّة والمتمرِّدة، وسيكون الدافع في هذه الصراعات هو النزعة القوميَّة والعِرقيَّة والمعتقدات الدِّينيَّة. ويمكن أن تتجسد مُشْكلة تقع في ركنٍ قصيٍّ من العالم في شكل حادثة إرهابيَّة في أيِّ مكان، وبهذا المفهوم فإن مستقبل أيِّ منطقة في العالم سيحدِّد مستقبلنا جميعًا».

الفكرة سالفة الذكر حول التأثير الحسَّاس والمتبادل للأحداث السياسيَّة والأمنيَّة بين نقاط متباعدة حول العالم (أتكلم عن نقاط متباعدة، وليس أحداثًا متقاربةً ومجاورةً للخريطة الوطنيَّة العُمانيَّة)، وتأثير تلك الأحداث أقرب ما يكون إلى ما أطلقنا عليه سابقًا بالنظريَّة التبادليَّة أو الاعتماديَّة، التي هي بِدَوْرها تشبه كثيرًا مصطلح أو نظريَّة الفراشة المشتقة عن نظريَّة الفوضى، والتي تقول إن رفرفة جناح فراشة في الصين قد تتسبب عنها فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد أماكن في أميركا وأوروبا وإفريقيا.

فكيف بنا إذا ما كانت الأحداث تجاور الجغرافيا العُمانيَّة بشكل مباشر؟ كيف بنا ونحن نعيش التغيُّرات السياسيَّة والأمنيَّة والعسكريَّة بطريقة مباشرة، بل يمكن التأكيد على أننا جزء منها؛ جزء من الحدث وتأثيره، بل مؤثرون فيه بشكل مباشر؟ أوليس ذلك مدعاةً لإعادة بناء قِيَمنا وسياساتنا المختلفة بما يتلاءم مع مصالحنا؟ أم أننا بالفعل قادرون على التكيُّف والاستمرار من خلال المبادئ والسياسات السابقة؟

يأتي المصطلح السابق «وصفًا مجازيًّا لحالة ما، وليس لتفسير الحالة، ويشير في الأساس إلى أن الفروق الصغيرة في الحالة الأولى (لنظام متحرك ـ ديناميكي) قد ينتج عنها، في المدى البعيد، فروقات كبيرة في تصرفات وسلوكيَّات هذا النظام، وأن هذا التعبير المجازي يصف تلك الظواهر ذات الترابطات والتأثيرات المتبادلة والمتواترة التي تنجم عن حدث أول قد يكون بسيطًا في حدِّ ذاته، لكنَّه يولد سلسلةً متتابعةً من النتائج والتطورات المتتالية التي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقعه أحد، وفي أماكن أبعد ما تكون عن التوقع».

وبتصوُّري، يمكن التأكيد على تراجع المركزيَّة الأميركيَّة في النظام العالمي المتشكل، مع الأخذ في الاعتبار محاولات الرئيس ترامب الجديَّة والواضحة لإعادتها بقوَّة، واتِّجاه هذا الأخير إلى ما يُطلق عليه نظام حكم الكثرة. كذلك ارتفاع سقف الصراعات السياسيَّة والجيوسياسيَّة، وما سيتبعها من مأزق خطير في توازن القوَّة والقوى الدوليَّة المتشكلة، وولادة ما يُطلق عليه القوى المتمرِّدة على النظام الدولي، وتوجّه النظام العالمي المتشكل نحو صراعات وحروب يغلب عليها النزعة القوميَّة والدِّينيَّة، ما سيرفع من مخاوف تفتيت وتقسيم العديد من الدول إلى دويلات صغيرة ذات مصالح متضاربة، الأمر الذي يمكن أن يرفع من سقف الصراعات بينها.

ومن زاوية أخرى، وممَّا يُتوقع أن يؤثِّرَ في البيئة الأمنيَّة خلال السنوات القادمة، ذلك التحوُّل المتسارع في جانب العولمة والتطوُّرات التكنولوجيَّة وثورة المعلومات، ولعلِّي أشير إلى التغيُّر الكبير في حقل الصناعات العسكريَّة النوعيَّة (الطائرات المُسيَّرة والذَّكاء الاصطناعي)، الأمر الذي سيغيِّر من طبيعة الدولة التقليديَّة وشكلها إلى ما يُطلق عليه الدولة الافتراضيَّة والمواطن العالمي، وما سيصاحب ذلك التغيير من شعور الأنظمة السياسيَّة والحكومات بفقدان قدرتها على التحكم والسيطرة على بيئة سياسيَّة وأمنيَّة لا تخضع للجغرافيا السياسيَّة بقدر ما تسيِّرها الجغرافيا الافتراضيَّة، بالإضافة إلى صعود دول صغيرة وفواعل ثانويَّة في مواجهة الدول الكبرى.

على ضوء ذلك، ستجد أغلب الدول نفسها خلال السنوات القادمة، ومن ضمنها سلطنة عُمان بكل تأكيد، في مواجهة العديد من المتغيِّرات السياسيَّة والتحوُّلات الجيوسياسيَّة في البيئة الدوليَّة، التي ستنعكس سلبًا بدورها على البيئة الأمنيَّة الداخليَّة والخارجيَّة؛ لتصنع نوعًا متطورًا ومتقدمًا من التهديدات والمخاطر الأمنيَّة التي لم تعهدها الكثير من الدول، خصوصًا أن تلك التهديدات تنطلق من «بيئة أمنيَّة استراتيجيَّة أشد خطورةً وأكثر غموضًا وتعقيدًا وإثارةً للهواجس الأمنيَّة من البيئة التي واجهها أسلافهم في القرن العشرين».

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @