عامًا تلو العام وأنتَ ما زلتَ مُعلِّمًا، عامًا تلو العام وأجراس الحصص تقرع آذانك، وضجيج الطلبة يهزُّ أوصالك، عامًا يتلو العام ووجوه الطلبة تتبدل؛ فتغيب عن عينيك مئات لتتلوها مئات أخرى، أجيالًا تتوالى، ووجهك صامد ثابت وسط هذا السَّيل الُمتجدِّد المتغيِّر من الأجيال. تلك الأمواج العاتية من الأجيال تتغيَّر وتتبدل في صفاتها وخصائصها، وفي سلوكيَّاتها وطباعها، بل حتى في عاداتها وعباراتها التي تستخدمها. وعندما تتأمل تلك الأمواج من الأجيال المتغيِّرة، تدرك أن الثبات وَهْم، وأن التغيُّر سنَّة من سُنن الكون، وقد تشعر أن كل شيء يتغيَّر حولك إلَّا أنتَ؛ فأنتَ ما زلتَ مُعلِّمًا يصارع تلك الأمواج، وقد تشعر أنَّك ثابت وكأنَّك وتَدٌ مغروس في المدرسة، ولم يتغيَّر بك سوى تجاعيد وجهك وشيبات شعرك التي تشهد لك بعدد السنين التي قضيتها ممتطيًا تلك الأمواج. فيلحُّ عليك سؤال: متى ستترجل؟!
أيُّها المُعلِّم، لا بُدَّ لك من استراحة محارب تتأمل فيها دورك وسط هذا اليَمِّ من الأجيال. نعم، فعامًا يتلو العام وأنتَ ما زلتَ مُعلِّمًا، عامًا يتلو العام وأنتَ ثابت كالوَتَدِ؛ فتستقبل جيلًا من الطلبة وتودِّع جيلًا آخر لِيدخلَ معترك الحياة، فتخرج أنتَ من وجدانه، وتغادر أغلب العلوم التي لقَّنتها إيَّاه ذاكرته، لِيغدوَ جهدك نسيًا منسيًّا. مهلًا أيُّها المُعلِّم، عليك أن تسأل نفسك: أمَا زلت مُعلِّمًا؟ أم أنَّك ارتقيتَ بنفسك لِتكونَ مربيًا ومؤدِّبًا ومؤثِّرًا في تلك الأجيال؟ ندرك تمامًا أنَّك بين حَصاتَي الرحى؛ فأنتَ تلهث للانتهاء من تدريس المقرَّر الدراسي، وتلهث لإعداد طلبتك للامتحانات النهائيَّة، فبلوغك مرتبة مُرَبٍّ أمرٌ شاقٌّ يحتاج إلى سواعد قويَّة تصارع أمواج الأجيال، وعقليَّة راصدة لكل المتغيِّرات في المُجتمع التي تؤثِّر في صياغة شخصيَّة الأجيال.
عامًا تلو العام وأنتَ ما زلتَ مُعلِّمًا، ولكن أن تكونَ تربويًّا مؤثِّرًا، وأن تكونَ قدوةً تبقى مواقفك وكلماتك جزءًا من تكوين شخصيَّة طلابك، فهذا أمر صعب عسير. ودَعْني أستبدل كلمة «مُرَبّي» بكلمة كان يطلقها المسلمون الأوائل على مَن يختصُّ في تربية الأبناء؛ فقد كانوا يسمُّونه مؤدِّبًا، فهو يعلِّم الأبناء الآداب، كآداب التحيَّة، وتوقير الكبار سنًّا ومقامًا، وآداب المجالس. كما يغرس فيهم القِيَم والأخلاق والعادات السليمة، ويُربِّيهم على حُسن الشِّيَم، كالصبر والكرم وحُسن التدبير والفصاحة وفنون التحدث؛ لِينشأَ الابن على يد المؤدِّب وقد اكتسب حُسن الشمائل. وكان هذا هو مقياس النجاح في التربية، وعندما يخطئ الابن في هذه الآداب كان ذلك يعيب المؤدِّب؛ لذا تجده يوبِّخه ويعاتبه، ورُبَّما يعاقبه. ويظل الابن يشرب من كأس حكمة المؤدِّب ويقتدي به مدى الحياة.
أيُّها المُعلِّم الفاضل، لا تنشغل بجرِّ ساقية التعليم؛ فما أسهل أن يتعلمَ الطالب، فبين يديه مصادر للمعرفة يستقي منها المعلومات والمهارات، وبين يديه الذكاء الاصطناعي والمواقع الإلكترونيَّة التي تعجُّ بما لا نهاية له من المعلومات؛ فيطلبها الطالب لِتكونَ بين عينيه في ثوانٍ، وتعجُّ بالبرامج التي تنمِّي مهاراته. فباتَ أبناء هذا الجيل قادرين على التعلُّم الذَّاتي، وكادوا يستغنون عن دورك كمُعلِّم، بل قد يرون أنَّك رجُل أتيتَ من زمان بعيد، وتتكلم بلُغة الأقدمين، ولا تتقن فنون التعلُّم بالتقنيَّات الحديثة. أمَّا إن ارتقيتَ بنفسك لِتكونَ مؤدِّبًا مربيًا، فتلك ضالَّة كل طالب؛ فبين يديك سيول من الأجيال تبحث عن القدوة، وتتوه وسط خضم وسائل التواصل الاجتماعي التي تعجُّ بآلاف المتحدثين، أو مَن نسمِّيهم بالمؤثِّرين الاجتماعيين. فكن أنتَ المؤثِّر فيهم، واصنع معهم المواقف لِتكونَ أنتَ القدوة، وأحسِن التواصل معهم لِتكونَ ملاذًا لهم، والمُغيث لهم عند النوائب. فكم من مُعلِّم أصبح صديقًا لأحد طلابه، وكم من مُعلِّم أصبح زميل عمل لأحدهم، وكم من مُعلِّم نام على سرير المرض بين يدَي طبيب كان يجلس على مقعد الدراسة أمامه. فإن اكتفيتَ بدورك كمُعلِّم صغرتَ في أعينهم عندما يكبرون وتتبادل الأدوار بينكم. أمَّا إن ارتقيتَ بنفسك لِتكونَ مؤدِّبًا مربيًا فستظل كبيرًا في أعينهم، وستظلُّ موقَّرًا في مُجتمعك، وسترزق دعواتهم لك في آخرتك. وكل عام والمُعلِّمون سالمون.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@