الاثنين 07 سبتمبر 2026 م - 25 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

العقار والسياحة بوابة للتكامل الاقتصادي

العقار والسياحة بوابة للتكامل الاقتصادي
الأحد - 06 سبتمبر 2026 02:50 م

جودة مرسي

20

العلاقات العُمانيَّة ـ المصريَّة من العلاقات العربيَّة التي تستحق التوقف عندها كثيرًا؛ لأنها لم تُبنَ فقط على التوافقات السياسيَّة، وإنما على تراكم تاريخي وحضاري وإنساني طويل، يعود إلى آلاف السنين. وتشير المصادر الرسميَّة إلى وجود صلات تجاريَّة وحضاريَّة بين مصر القديمة وسلطنة عُمان. ومع مرور الزمن لم تنقطع الصلات بين الشَّعبين، سواء على مستوى القيادة أو الشعوب، بل أخذت أبعادًا جديدة؛ فهناك روابط تجاريَّة وثقافيَّة ودِينيَّة تعزَّزت في العصر الحديث. ومؤخرًا، وتحديدًا في الثلاثين من أغسطس الماضي، عُقد في القاهرة الملتقى الاستثماري للتطوير العقاري والسياحي العُماني ـ المصري، من أجل الانتقال بالعلاقات الاقتصاديَّة بين البلدين من مستوى التفاهمات إلى شراكات ومشروعات استثماريَّة فعَّالة في العقارات والسياحة والصناعة. ويُشكِّل قِطاعا التطوير العقاري والسياحي مساحة واسعة للتعاون بين البلدين؛ فمصر تمتلك سوقًا كبيرة وخبرة متراكمة في تطوير المُدن والمنتجعات والمشروعات السياحيَّة، بينما تستطيع عُمان تقديم فرص استثماريَّة مرتبطة بمواقعها المتميزة في المنطقة، السياحيَّة والاقتصاديَّة، والمناطق الحُرَّة والاقتصاديَّة الخاصَّة. ومن هنا فإن التعاون لا ينبغي أن يُفهم باعتباره انتقالًا لرأس المال من بلد إلى آخر فقط، وإنما تبادلًا للخبرة ورأس المال ونماذج التطوير.

سلطنة عُمان لا تُقدِّم فرصًا استثماريَّة منفردة فحسب، بل لديها بيئات اقتصاديَّة متخصِّصة يمكن أن تستوعب مشروعات عقاريَّة وسياحيَّة وصناعيَّة مرتبطة بعضها ببعض. وهنا تظهر ميزة المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والمناطق الحُرَّة؛ إذ يمكن للمشروع السياحي أو العقاري أن يرتبط بالنقل والخدمات اللوجستيَّة والصناعة والتجارة، بما يخلق منظومة استثماريَّة متكاملة بدلًا من مشروع منفرد. كما أن السياحة يمكن لها أن تصبح جسرًا للاستثمار الصناعي. والنقطة الأكثر أهميَّة في الملتقى هي الجمع بين العقار والسياحة والصناعة؛ فالمشروع السياحي الكبير يحتاج إلى أثاث وتجهيزات ومعدَّات ومواد بناء وخدمات نقل وإمداد وصيانة. وبالتالي فإن استقطاب مطوِّر سياحي مصري، أو شراكة عُمانيَّة ـ مصريَّة، يمكن أن يفتح المجال أمام صناعات وخدمات مساندة داخل المناطق الاقتصاديَّة الخاصَّة والحُرَّة. وهذا يخلق ما يمكن تسميته «سلسلة القِيمة الاستثماريَّة»، التي تشتمل على استثمار العقار، ومشروع سياحي، وخدمات، وصناعات مساندة، ووظائف، وصادرات، وقِيمة مضافة للاقتصاد.

من جانبها، تمتلك مصر قاعدةً كبيرةً من شركات المقاولات والتطوير العقاري والاستثمار السياحي، إلى جانب خبرات واسعة في تنفيذ المشروعات الكبرى. وفي المقابل، تمنح السوق العُمانيَّة المستثمر المصري فرصة الوصول إلى اقتصاد مستقر، وموقع استراتيجي، وموانئ ومناطق اقتصاديَّة مرتبطة بالأسواق الإقليميَّة والدوليَّة. لذلك، يمكن أن يتحول التعاون من نموذج «المستثمر المصري يستثمر في عُمان» إلى نموذج أكثر طموحًا، وهو شركة عُمانيَّة ـ مصريَّة تطوِّر مشروعًا في عُمان، ويمكنها من خلاله الوصول إلى أسواق أخرى، هذا هو النموذج الذي يجعل الشراكة أكثر استدامةً. كما توضح الرسالة الأوسع للملتقى أن العلاقات العُمانيَّة ـ المصريَّة تمتلك مُقوِّمات للانتقال إلى مرحلة الاستثمار المشترك، بجعل القِطاع الخاص شريكًا رئيسًا في العلاقات الاقتصاديَّة. ومن هنا تأتي أهميَّة مثل هذه الملتقيات؛ لأنها تفتح الباب أمام التعارف بين المستثمرين، وتصبح أكثر قِيمة عندما تتحول اللقاءات إلى دراسات جدوى، ومذكرات تفاهم، ومشروعات، واستثمارات فعليَّة؛ إذ يمكن القول إن سلطنة عُمان تريد استقطاب استثمارات نوعيَّة، وليس مجرَّد زيادة عدد المشروعات، ومصر تُمثِّل شريكًا مهمًّا لِمَا تمتلكه من خبرات ورؤوس أموال وشركات قادرة على التوسُّع خارجيًّا. إذًا، المستهدف هو بناء شراكات عُمانيَّة ـ مصريَّة تتجاوز العقار والسياحة إلى الصناعة والخدمات اللوجستيَّة وسلاسل الإمداد. والفرصة الأكبر هنا أن تتحول العلاقات الاقتصاديَّة بين البلدين من «التعاون بين الحكومات» إلى «الشراكة بين القِطاع الخاص»، ثم يصبح الاستثمار نفسه أحد المحركات الجديدة للعلاقات العُمانيَّة ـ المصريَّة التي كانت، وما زالت، منذ آلاف السنين تحمل روابط إنسانيَّة وتاريخيَّة قاسمها المشترك وحدة الدِّين، وثقافة العلم، ورابط التاريخ، والتي تصبُّ جميعها في مصلحة الشَّعبين الشَّقيقين.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير « الوطن»