خامسًا: بذخ العمارة وفتنة الطبيعة.
في هذه الشوارع والساحات والميادين والأزقة الملتوية المرصوفة بالحصى، التي اصطبغت بأحداث التاريخ، وثوراته وحروبه وصراعاته، وتطورات قِيَمه الإنسانيَّة والسياسيَّة والعلميَّة والفكريَّة والأدبيَّة، تجتمع لمسات شتَّى من الجمال المعماري ومدارسه التاريخيَّة، وصخب البشر وعلوم الإنسان وإنجازاته وصناعاته الحِرفيَّة التقليديَّة، وعلامات تجاريَّة عالميَّة، وأنشطة ثقافيَّة وفنيَّة تلامس الروح، وتسري عذوبتها في الشعور الإنساني، تعوِّض عمَّا تُحدثه الحياة الماديَّة وضغوطاتها والتنافس على مكاسبها من إحباطات واكتئاب وهموم وأحزان وتصحر في المشاعر... هنا، في هذه الشوارع الحيَّة، النشطة بالحركة، المشحونة بفيض من المعاني والدلالات العميقة، والجادَّات المتعرجة المحيطة بساحتي «جراند بلاس» و«الدام»، عشت أيَّامًا مفعمة بالبهجة والسعادة، أحتضن الجمال وأتأمله، وأفكر في تحوُّلات الزمن وتقاليد الحياة. أتنقل بين أجمل المقاهي، أرتشف القهوة، وأستعذب هذا الحسن وفتنة الصور والمشاهد أمامي، وأقرأ بين الفينة والأخرى كتابي الذي أصحبه أينما قادتني ظروف الحياة ودروبها، مستذكرًا قول سيِّد الشعراء: «وخير جليس في الزمان كتاب»، فما أجمل القراءة والسفر والتأمل والتمتع بهذه الأناقة والإبداع... أخذنا من «بروكسل»، العاصمة، إلى «بروج»، «إبرجس»، المدينة، حوالي ساعة ونصف بالقطار، يسير بنا في بساط مزدان بالأرياف الخضراء. فهذه التحفة المعماريَّة تُصنَّف واحدةً من أجمل مُدن أوروبا، ومتحفًا عمرانيًّا فريدًا، ولوحةً فنيَّة صاغ تفاصيلها الدقيقة مهندسون بارعون في فن العمارة والتصميم والبناء. تراث إنساني بليغ يكشف عن القدرات الفذَّة والمواهب الاستثنائيَّة، ورُقي الفنون والأذواق والثقافات وازدهارها، وفيض إبداعي لا مثيل له. لؤلؤة من لآلئ أوروبا حافظت على هيئتها من القرون الوسطى: طُرق وساحات وأزقة رُصفت بالحصى، وجسور وقنوات مائيَّة وجداول متعرجة تجري فيها المياه العذبة، وأقواس تزدان بالنقوش البديعة والطوب الأحمر، وكنائس وقصور بُنيت من الحجر... عظمة، وأبهة، وبذخ، وأناقة، ونحت مذهل، ورسومات تجسِّد شخصيَّات عظيمة ورموزًا حيوانيَّة ودينيَّة أخذت أشكالًا وهيئات شتَّى... تجعل المتأمل حائرًا لهذا التفوق والبراعة والمهارة في العمارة والفنون، وتطويع الحجارة والطبيعة في خدمة الذَّوق والحسِّ الإنساني. وجميع هذه المباني والمعالم والمواقع الإنسانيَّة، التاريخيَّة والأثريَّة، مصنفة على قائمة التراث العالمي لليونسكو. كانت خطواتي ثقيلة، وحركتي أقل بكثير من وصفها بالبطيئة، فكل مبنى وشارع ولوحة فنيَّة تشدُّني وتستحوذ عليّ، وتسلب لبِّي، وتحاصرني بعشرات الأسئلة عن هذا الإبداع والازدهار والبذخ والجمال والأحاسيس التي تجعلني مدمنًا، متعلقًا بهذه الأمكنة التي تنتمي إلى الماضي البعيد... إنَّ احتساء فناجين القهوة على ضفاف قنوات الأنهار، وأخذ الصوَر التذكاريَّة بالقرب من برج «الحرس»، وجولات القارب السياحي في القنوات المائيَّة، وزيارة متحف الشوكولاتة الذي تشتهر به «بروج»، والسير على الجسور القديمة لمشاهدة عشرات الكنائس والمتاحف والقلاع، واستطلاع أسرار المدينة وحدائقها ومتاهاتها وما تمتلكه من كنوز معماريَّة، على عربة حصان... تجعل السائح يغادر «بروج» منبهرًا، متعلقًا بها، متأملًا إلحاق الزيارة بزيارات أخرى. قرية «فولندام»، وتعني بالهولنديَّة «السَّد الممتلئ»، خصَّصنا لها هي الأخرى يومًا كاملًا لزيارتها، وتتميز بمنازلها الخشبيَّة الملوَّنة، وأسواقها وأكشاكها الأنيقة، ومينائها التقليدي الذي يخدم الصيادين، وموقعها الساحر على ضفاف بحيرة «آيسل»، وتقدِّم مجموعة من الأنشطة الثقافيَّة التي ترتبط بتقاليد الحياة وثقافة السكان. تبعد عن العاصمة «أمستردام» حوالي عشرين كيلومترًا، ونصف ساعة لا غير تحتاجها الحافلة السياحيَّة للوصول إليها. وتُصنَّف قرية الطواحين واحدةً من أجمل القُرى الهولنديَّة؛ لِمَا تمتاز به من طبيعة بكر، وريف ساحر، وقنوات مائيَّة جارية، تلهب الحماس وتثير الإلهام، وتشعر الإنسان بالراحة وعمق العلاقة والحميميَّة بمفردات الطبيعة. كما تمتلك القرية مجموعة من الطواحين القديمة، وورش صناعات تقليديَّة كالأحذية والأجبان والسَّاعات، التي لا تزال تعمل حتى اليوم. وتجذب هذه القرية حشودًا ضخمة من السيَّاح الذين يأتونها فرادى وجماعات. عشرات القُرى تتناثر في ريف أخضر مدهش، يزدان بأجمل ما أبدعته الطبيعة وتفتق به الفكر الإنساني، ومن قرية اعتقدنا بأنَّها الأكثر فتنة واكتنازًا بمفردات الجمال، إلى أخرى كانت تأخذ مكان مَن سبقها، بل وتزيد عليها، في عالم يفيض بكل ما يجعل من الإنسان عاشقًا، مأخوذًا ببذخ الطبيعة وعظمة العمارة. المتنزهات الطبيعيَّة التي تتزين بالبحيرات والجداول المائيَّة، والشلالات، وعشرات الأنواع من الأشجار والزهور والطيور والفراشات، ومفردات الجمال والمماشي والطبيعة البكر... هي الأخرى تحفِّز على التأمل والإبداع والإحساس بقِيمة الجمال، وتنمية ذائقة الإنسان، والشعور بفتنة الأماكن ورونقها وبهائها، والتشجيع على ممارسة كل أشكال الرياضات. وهي كذلك ممَّا تتفرد به المُدن الأوروبيَّة؛ حيث تتغلغل الغابة وعطر أشجارها وزهورها الفواحة في قلب المدينة، فيشعر سكانها بلمسة من الحميميَّة اللطيفة، وإحساس عارم بالنشاط والحيويَّة، والانطلاق بتفاؤل نحو المستقبل... المحطَّة المركزيَّة في قلب العاصمة الهولنديَّة، «أمستردام سنترال»، التي تستقبلنا ونودِّعها في اليوم الواحد أكثر من مرَّة، هي واحدة من اللوحات المعماريَّة المثيرة للإبهار، تزهو بها المدينة، وتستمد حُسن عمارتها من المزج بين المدرستين القوطيَّة وعصر النهضة الحديث. افتُتحت عام (١٨٨٩م)، وتُصنَّف من بين المراكز الرئيسة للسكك الحديديَّة في هولندا، ويستفيد من خدماتها أكثر من (٢٥٠) ألف راكب ومسافر في اليوم الواحد. فخدمات النقل العام ووسائله المتنوعة تيسِّر على المواطنين والسيَّاح في أوروبا، وتوفِّر لهم السرعة والسهولة وخفض التكلفة، وتُسهم في تقليل ازدحام الشوارع... «يتبع».
سعود بن علي الحارثي