السبت 05 سبتمبر 2026 م - 23 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

تعظيم لغة الحوار الأسري فـي مواجهة غياب الثقة وحساسية العلاقات

تعظيم لغة الحوار الأسري فـي مواجهة غياب الثقة وحساسية العلاقات
السبت - 05 سبتمبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

10

يُمثِّل الحوار الركيزة الأساسيَّة التي تقوم عليها العلاقات الأُسريَّة داخل البيوت، وهو لُغة الحياة التي تُعبِّر عن الوعي والثقة والاحتواء، وتُجسِّد قِيَم التفاهم والتعايش والتكامل، وتُشكِّل الإطار الأخلاقي والنفسي الذي تنتظم فيه علاقات الزوجين، والآباء بأبنائهم، والأبناء فيما بينهم. غير أن هذه اللُّغة، التي يُفترض أن تكون نابضةً بالحياة، أصيلةً في البيوت، راسخةً في حركة التفاعلات والخطاب اليومي، باتت تواجه حالةً من التراجع والاحتضار الاجتماعي، في ظل تحوُّلات متسارعة فرضتها أنماط الحياة الحديثة، وهيمنة لُغة المصالح، وتراجع اللقاءات الأُسريَّة، وتنامي الحساسيَّة المفرطة في العلاقات، فضلًا عن عوالم التقنيَّة التي اقتحمت الحياة الأُسريَّة وأعادت تشكيل مسارات التواصل داخلها.

لقد أفرز هذا الواقع حالةً من الانطواء داخل الكثير من الأُسر، وأضعف فرص التقارب والتكامل، وقلَّص مساحات التآلف والاحتواء، في وقت أصبحت فيه الأُسرة أحوج ما تكون إلى حوار منتج ومستدام، قادر على صناعة التغيير الإيجابي، ورسم صورة مُتجدِّدة تنقلها من حالة الجمود والتباعد إلى فضاء المشاركة والتفاعل الإنساني العميق. فالحوار، في مُكوِّنه السيكولوجي، ليس مجرَّد تبادل كلمات، بل هو ممارسة قِيَميَّة وأخلاقيَّة تُبنى على الثقة، وتُغذِّي الشعور بالأمان، وتُعِيد الاعتبار للعلاقات شراكةً إنسانيَّة، لا صدامات وساحة صراعات.

وإنَّ المتأمل في واقع المُشْكلات الاجتماعيَّة المعاصرة، وما يرافقها من توتُّر في العلاقات الأُسريَّة، وحساسيَّة مفرطة في تقبُّل الرأي الآخر، وضيق صدر بزلات الكلمات وعفويَّة التعبير، يدرك أن غياب ثقافة الحوار داخل البيت الأُسري يقف خلف كثير من هذه الأحداث. فقد أصبحت حالة الانسحاب السلبي سلوكًا شائعًا داخل الأُسرة، سواء كان هروبًا من المتطلبات الأُسريَّة والاجتماعيَّة المتزايدة، أو تعبيرًا عن العجز عن التواصل، أو نتيجةً لغياب فِقه الحوار ومهاراته، وما يتصل بذلك من قِيَم ومبادئ تُشكِّل البنية الأساسيَّة لأيِّ حوار ناجح. ويزداد الأمر تعقيدًا حين ينشغل الوالدان عن أبنائهم، وتغيب مفاهيم التربية الوالديَّة والضبط الاجتماعي عن المشهد، فلا يجد الأبناء مَن يصغي إليهم أو يفهم تحوُّلاتهم النفسيَّة والفكريَّة، في مقابل ارتفاع حساسيَّة الأبناء تجاه أيِّ توجيه أو نقد أبوي؛ وهو ما يُنتج علاقةً مشحونةً يسودها سوء الفهم، ويغيب عنها الشعور بالأمان؛ لتتحوَّل النصيحة إلى تدخل، والتَّوجيه إلى وصاية، والحوار إلى مواجهة. ومن هنا تبدأ العلاقات الأُسريَّة في الذبول، وتتراجع مكانة الأُسرة في كونها ملاذًا نفسيًّا واجتماعيًّا.

وعليه، لا يمكن فصل هذا التغييب للحوار في الأُسرة عن ارتفاع معدَّلات الطلاق، وتزايد القضايا الأُسريَّة في المحاكم ولجان التوفيق والمصالحة والادعاء العام، وما يرتبط بها من مُشْكلات اقتصاديَّة واجتماعيَّة، كالنزاعات الماليَّة، والديون، والميراث، وحساسيَّة العلاقات، والنزاع، والاختلافات العائليَّة، والإيجارات، وغيرها من الأحداث المتكررة، ولأتفه الأسباب، التي كان يمكن احتواؤها لو وُجدت ثقافة حوار حقيقيَّة تقوم على تقاسم المسؤوليَّات وتعظيم فرص التقارب، والانطلاق من المشتركات بدل الوقوف عند نقاط الخلاف. ومتى ما وُجد الحوار، وتوافرت الإرادة، والصبر، والقدرة على التحمُّل، والاستعداد للتنازل عن سقف المطالب، وتهيئة بيئة أُسريَّة وعائليَّة تواصليَّة حميميَّة تسعى إلى الإصلاح وجمع الكلمة وامتصاص المُشْكلة وتذويب العقد؛ عندها تتحقق أهداف مشتركة، لا انتصارات فرديَّة.

لقد تجاوز الحوار اليوم كونه ممارسةً شخصيَّة خاضعةً للمزاج أو الرغبة؛ لِيصبحَ سلوكًا اجتماعيًّا منظمًا تحكمه قواعد وأُطر ومبادئ ينبغي أن تتحوَّل إلى ممارسة عمليَّة في الحياة اليوميَّة. ويكتسب هذا الأمر أهميَّة مضاعفةً في المُجتمع العُماني، الذي يستند في هُوِيَّته الحضاريَّة إلى قِيَم التسامح، والتعدديَّة، والتعايش، والحوار؛ وهي قِيَم تُشكِّل أرضيَّة صلبةً لإحياء لُغة الحوار، وتعظيم حضورها في وعي الفرد والأُسرة، واستنهاض القِيَم الإيمانيَّة الداعمة للتكافل والتكامل الاجتماعي.

ورغم ما أحدثته التقنيَّة الحديثة من فجوة واضحة في العلاقات الأُسريَّة، وما صاحبَها من تباينات في مسارات التواصل بين أفراد الأُسرة الواحدة، إلَّا أنها ـ في الوقت نفسه ـ تحمل إمكانات إيجابيَّة يمكن استثمارها في تعزيز مفهوم العلاقات، إذا ما وُظفت بوعي ومسؤوليَّة. وبالتالي، كيف يمكن توليد قناعة ذاتيَّة بمفهوم التواصل والاتصال الأُسري بين الأبناء والآباء، وبين الأبناء وبعضهم بعضًا، مستفيدين من كل الفرص المتاحة لهم، سواء بالتقارب الزماني والمكاني، أو عبر توظيف التقنيَّة وإيجاد منصَّات للتواصل العائلي في تقريب الأفكار، والتفاعل مع الأحداث، والاستفادة من المشتركات، وترقية فرص حضور مُكوِّناتها الأساسيَّة في بناء العلاقات الاجتماعيَّة والأُسريَّة، عبر المشاركة في المناسبات الاجتماعيَّة والأُسريَّة، كالأفراح والعزاء ولقاءات الأنس والاستجمام والتجمُّعات العائليَّة التي تفتح في النفس آفاق التعارف واللقاء عن قرب، وترفع درجة الحوار والنقاش والضحك والابتسامة، وإنعاش الروح وتقريب الأفهام، وتعميق مساحة التواصل بين أبناء العائلة، عبر تعزيز الترابط الاجتماعي؛ الأمر الذي سوف يقلل من ردَّات الفعل غير المنضبطة والحساسيَّات غير المسؤولة، ويستنهض حسَّ الشعور والثقة، والتعرُّف عن قرب على ما لدى الآخر من مواقف، ويبرز ما لديه من نجاحات، بحيث يتأكد ذلك أثناء الحديث معهم، والاستماع إليهم والإنصات لهم والنظر فيهم والضحك معهم، والابتسامة في وجههم، والبشاشة في حديثهم، وحسّ الذَّوق في التعامل مع مشاعرهم، واللطف في مخاطبتهم، والاستمتاع بوجودهم، وإشباع القلب والعقل بهم.

إنَّ الحوار الأُسري الحقيقي يتجلى في تفاصيل بسيطة، لكنها عميقة الأثر، كالإصغاء للأبناء، والنظر في أعينهم أثناء الحديث، والابتسام لهم، واحترام مشاعرهم، واللطف في مخاطبتهم، والاستمتاع بوجودهم، وإشعارهم بقيمتهم في القلب والعقل معًا. وتزداد أهميَّة هذه الممارسات حين تُستثمر حكمة كبار السِّن في الأُسرة، من الجدَّات والأجداد، والعمَّات والخالات؛ لِمَا لهم من دور في تعزيز التَّماسُك العائلي، ونقل الخبرة، وترسيخ القِيَم، وتوليد خيارات تُضفي على العلاقات طابع الحميميَّة، وتُقدّم نموذجًا إنسانيًّا للحوار المشترك.

ويبقى الحوار، في جوهره، لُغةً حالمةً تحمل فرصًا واسعةً للنُّمو الإيجابي، وتُسهم في بناء الثقة، وتعزيز الشعور الإيجابي، وتقريب الأفكار، وتنقية النفوس من رواسب التوتُّر. وفي المقابل، فإن غياب ثقافة الحوار يخلق مساحة فراغ غير آمنة، ترتفع فيها فرص نُمو المُشْكلات الأُسريَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة، وتفكُّك العلاقات الزوجيَّة، وتحوُّل الخلافات إلى نزاعات تخرج خارج إطار السريَّة والسِّتر والاحتواء الأُسري وخصوصيَّة البيت؛ لِتصلَ إلى الخارج، ويتداولها القاصي والدَّاني والمُحِب والشَّامت؛ ما يرفع من سقف الخلاف، ويغلق نوافذ الأمل والتجديد التي يمكن أن يفتح أبوابها الحوار الصادق، القادر على إعادة تشكيل المواقف وبناء مساحات عمل مشتركة. الأمر الذي يُؤكِّد أهميَّة حوكمة الحوار الأُسري وفق أُطر واضحة ومبادئ راسخة، تبدأ من التعليم، عبر برامج تُنمِّي مهارات الحوار، وتُدرِّب المتعلمين على ممارسته في بيئات تعلُّم تفاعليَّة، وتستمر عبر التشريعات والقوانين التي تُقدِّم الحوار وثقافة الاحتكام إليه خيارًا اجتماعيًّا لحلِّ المُشْكلات الأُسريَّة.

وتبرز الحاجة كذلك إلى تَبنِّي سياسات وطنيَّة وبرنامج عمل تنفيذي موسَّع في إدارة الحوار الأُسري، ودعم الأُسرة عبر الحدِّ من الفجوة الناتجة عن ضغوط العمل وعمل المرأة وظروف المعيشة، وتعزيز مسارات الدعم الأُسري، ورفع سقف المنافع الأُسريَّة والأمومة أو ربَّات البيوت، بما يضمن تقوية أنماط الحوار داخل البيوت. فهو ضرورة مُجتمعيَّة سوف تعيد هيكلة البناء الفكري والنفسي للأُسرة العُمانيَّة، وتضمن المزيد من الالتصاق بالهُوِيَّة العُمانيَّة القائمة على التسامح والتعاون والتكافل والودِّ والعفو والرحمة.

أخيرًا، ولمَّا كانت الأُسرة الناجحة هي لَبِنةً رئيسة لبناء مُجتمع قوي، قادر على النُّمو والتطوُّر والتقدُّم، فإن الحوار الأُسري يُشكِّل عنصرًا مهمًّا لتحقيق هذا النجاح وتعزيز أثَره في حياة الأُسرة العُمانيَّة؛ ما يُؤكِّد أهميَّة إيجاد برامج أُسريَّة متخصِّصة ومستديمة في إدارة الحوار الأُسري، وتقوية ممكناته وتأصيله، من خلال استثمار جميع المنابر الحواريَّة في توعية الأُسرة بهذا الجانب، وإنتاج نماذج وطنيَّة في الحوار الأُسري تتواءم مع طبيعة الأُسرة العُمانيَّة ومُكوِّناتها، قائمةً على التجريب والمحاكاة وأنماط العمل. فإن إحياء لُغة الحوار الأُسري لم يَعُد مهمَّةً فرديَّة أو حالةً اختياريَّة ومزاجيَّة، بقدر ما هو مسؤوليَّة جمعيَّة والتزام جمعي أصيل، تتكامل فيه أدوار الأُسرة، والمدرسة، والمؤسَّسات، والتشريعات؛ من أجل بناء مُجتمع متماسِك، وأُسرة واعية ستكون مشروع عُمان الحضاري القادم في مواجهة تحدِّيات العصر بروح الحوار وإنسانيَّة التواصل.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]