تشهد المنطقة العربيَّة والخليجيَّة تحوُّلات جيوسياسيَّة ومتغيِّرات استراتيجيَّة متسارعة، صاغت واقعًا جديدًا تتداخل فيه المفاهيم، وتتعقد في ظله أدوات التأثير وصناعة الرأي العام. وفي خضمِّ هذه السيولة السياسيَّة، لم يَعُد مفهوم «الأمن الوطني» مقتصرًا على الحماية العسكريَّة أو حراسة الحدود الجغرافيَّة بالمعنى الكلاسيكي، بل امتدَّ لِيتخذَ أبعادًا ناعمة أكثر خطورة وتأثيرًا، تتركز في جوهرها على الفضاءات الفكريَّة، والشبكات الرقميَّة، والبنية النفسيَّة للمُجتمعات. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، تقف فئة الشباب العُماني باعتبارها الركيزة الأساسيَّة لحماية الأمن الوطني، والجدار الصلب الذي تتكسر عليه خطابات الاستقطاب والتوجيه الممنهج من الخارج.
فلا يعني الوعي الأمني في مضمونه المعاصر الصَّمت أو الانكفاء على الذَّات، بل يُمثِّل حالة من النضج الفكري والقدرة التحليليَّة الواعية على تفكيك الخِطابات الموجَّهة وتمييز السرديَّات الإعلاميَّة المتصارعة في العالم المحيط. وإذا ما أردنا تفكيك هذا الوعي لدى الشباب العُماني، فلا بُدَّ من قراءته عبر أربعة أركان استراتيجيَّة تتصل بصلب التنشئة الاجتماعيَّة والتربويَّة، وهي: الهندسة الذاتيَّة للحصانة الأمنيَّة والفكريَّة، والوعي الأخلاقي والعدالة الاستراتيجيَّة العُمانيَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة، وهندسة التوازن العُماني في ظلِّ التحوُّلات السياسيَّة في دول الخليج العربي؛ لنُعرِّج بعدها إلى وضع استراتيجيَّات لتعزيز الوعي الأمني المستدام.
أولًا: الهندسة الذاتيَّة للحصانة الأمنيَّة والفكريَّة
لا ينشأ الوعي الأمني من فراغ، ولا يُفرَض بقوانين أو تعليمات فوقيَّة، بل هو حصيلة تراكميَّة لمؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة والتربويَّة. ولقد رسَّخت الأُسرة العُمانيَّة، إلى جانب المدرسة والمؤسَّسات الأكاديميَّة والمُجتمعيَّة، نسقًا قِيَميًّا قائمًا على التسامح، والحوار، والاعتدال، والاعتزاز بالهُوِيَّة الوطنيَّة؛ ليُخلَق إرثًا حضاريًّا واجتماعيًّا شكَّل ما يمكن تسميته بـ«الجدار الوقائي النفسي» لدى الشباب العُماني؛ ممَّا جعلهم أقل عرضة للانجرار خلف دعوات الغلو أو التطرف الفكري والمذهبي في ظل تدحرج كرة اللهب في المحيط.
ومن الناحية التربويَّة، يسهم التفكير الناقد والتحليل الموضوعي، اللذان تبنَّتهما المؤسَّسات التعليميَّة، في تمكين الشباب من التعامل الذَّكي مع تدفُّق المعلومات في العصر الرَّقمي. فالشاب العُماني يتلقى اليوم موجات متلاطمة من المحتوى العابر للحدود عبر المنصَّات الرقميَّة، تتراوح بين الإشاعات الموجَّهة والحملات الإعلاميَّة الخفيَّة التي تسعى إلى إحداث شرخ بين المواطن ومؤسَّسات دولته، أو إثارة نعرات طائفيَّة ومناطقيَّة. وهنا يتجسد الدَّور المحوري للتنشئة التربويَّة والاجتماعيَّة؛ بحيث يتحوُّل الوعي الأمني من مجرَّد معرفة نظريَّة إلى ممارسة سلوكيَّة يلتزم فيها الشاب بالتثبت، والمسؤوليَّة في النشر، وتغليب المصلحة الوطنيَّة العليا على العواطف العابرة.
ثانيًّا: التطورات الجيوسياسيَّة وتطور الوعي الأمني الخليجي
تُمثِّل منطقة الخليج العربي والممرَّات المائيَّة المجاورة لها أحَد أكثر المسارح الجيوسياسيَّة حساسيَّة واشتعالًا في العالم؛ حيث تتصاعد حدَّة التنافس والاستقطاب بين الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة وحلفائها من جهة، والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من تجاذبات وتأثيرات مباشرة على أمن دول الخليج العربي، وسلامة الملاحة، وإمدادات الطاقة. وفي قلب هذا التدافع المعقَّد، تبرز سلطنة عُمان بنموذجها الدبلوماسي الاستثنائي؛ إذ احتفظت تاريخيًّا بموقع «الوسيط الموثوق» وصانع جسور التواصل بين أطراف النزاع، رافضةً أن تكون طرفًا في محاور الاستقطاب، ومتَّخذةً من قواعد القانون الدولي والدبلوماسيَّة الوقائيَّة نهجًا حاسمًا لحماية أمنها الوطني واستقرار المنطقة. إنَّ انعكاس هذا الصراع الإقليمي الممتد على الوعي الأمني للشباب العُماني يتطلب أدوات تفكيك فكريَّة وتربويَّة خاصَّة. فالشبكات الرَّقميَّة والمنصَّات الإعلاميَّة الموجَّهة تسعى، في أوقات الأزمات والتصعيد، إلى استقطاب الرأي العام الشبابي وتوجيهه نحو تَبنِّي سرديَّات أيديولوجيَّة أو مذهبيَّة تحريضيَّة تخدم هذا الطرف أو ذاك. وهنا يبرز الوعي الأمني المتراكم لدى الشباب العُماني في إدراكهم العميق لفلسفة السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة؛ فَهُم يدركون أن نهج مسقط في تهدئة الأزمات وإبقائها في قنوات الحوار هو درع الحماية الأول للوطن، وأن الانجرار خلف التحريض الإعلامي أو التراشق الرَّقمي بين أطراف الصراع لا يخدم الأمن القومي، بل يفتح ثغرات لاختراق الجبهة الداخليَّة العُمانيَّة المتماسكة.
ثالثًا: هندسة التوازن العُماني في ظل التحوُّلات السياسيَّة في دول الخليج العربي
تمرُّ منطقة الخليج العربي بديناميكيَّات وسياسات تحوُّليَّة عميقة؛ حيث تتصارع القوى الإقليميَّة والدوليَّة لإعادة تشكيل نفوذها، وتتغير معها أنماط التحالفات والتوجُّهات الاستراتيجيَّة للعديد من الدول. وفي مقابل هذه البيئة المليئة بالاستقطابات والأزمات المتلاحقة، تواصل سلطنة عُمان التمسُّك بدبلوماسيَّتها التاريخيَّة الثابتة القائمة على الحياد الإيجابي، وبناء جسور التواصل، ورفض التدخل في الشؤون الداخليَّة للدول، وتغليب لُغة الحوار حلًّا للنزاعات.
إنَّ هذا الموقف السياسي المتَّزن يُلقي بمسؤوليَّة اجتماعيَّة وتربويَّة كبيرة على عاتق الشباب العُماني؛ إذ يتطلب منهم استيعاب أبعاد هذه السياسة الخارجيَّة ومبرراتها الاستراتيجيَّة. فالضغوط الإعلاميَّة المتبادلة والاستقطابات السياسيَّة في الإقليم تحاول مرارًا استدراج الرأي العام الشبابي لاتِّخاذ مواقف حديَّة أو الانحياز لطرف ضدَّ آخر على حساب الموقف الرسمي والوطني. ويُظهر الوعي الأمني للشباب العُماني هنا قدرته على الحفاظ على السكينة الوطنيَّة، واستيعاب أن الحفاظ على استقرار عُمان ومكانتها كصانعة للسَّلام هو المكسب الاستراتيجي الأول، وأن الانجرار خلف المهاترات الإعلاميَّة أو التراشق الرَّقمي يضرُّ بالدبلوماسيَّة الوطنيَّة ويضعف الجبهة الداخليَّة.
رابعًا: الوعي الأخلاقي والعدالة الاستراتيجيَّة العُمانيَّة للقضيَّة الفلسطينيَّة
تظل القضيَّة الفلسطينيَّة هي المقياس الحقيقي لنبض الشارع العربي والإسلامي، والبوصلة الأخلاقيَّة والسياسيَّة للمنطقة، وفي ظل العدوان والمخطَّطات التي تستهدف تصفية الحقوق المشروعة للشَّعب الفلسطيني، يقف الشباب العُماني موقفًا مبدئيًّا ينسجم تمامًا مع التوجُّهات الرسميَّة والشَّعبيَّة لسلطنة عُمان في دعم الحق الفلسطيني ورفض القسر والتهجير والاحتلال، غير أن الوعي الأمني يضع هذا التضامن وجدانيًّا وسلوكيًّا في إطاره الوطني والتربوي الواعي، فيُدرك الشَّاب العُماني أن التضامن مع فلسطين ليس مجرَّد عاطفة جياشة، بل هو موقف مبدئي راسخ يتطلب الوعي بأساليب الاختراق والتضليل التي قد تستغل هذا التعاطف الإنساني النبيل، فجماعات الضغط وقوى الاستقطاب قد تستغل مشاعر الغضب الشَّعبي تجاه ما يحدُث في الأراضي المحتلَّة لتمرير أجندات فكريَّة مشبوهة، أو توجيه هذا الغضب نحو الداخل لتفتيت الموقف الوطني المتماسك؛ لذلك يتجلى الوعي الأمني لدى الشباب العُماني في قدرتهم على الجمع بين التضامن الصادق والشديد مع الشَّعب الفلسطيني، وبين اليقظة الوطنيَّة التي تحمي بيئتهم الداخليَّة من الاستغلال الأيديولوجي أو الاختراق الرَّقمي.
خامسًا: استراتيجيَّات تعزيز الوعي الأمني المستدام
يتطلب الحفاظ على هذا المستوى الرفيع من الوعي الأمني لدى الشباب العُماني في ظل التحوُّلات المعاصرة عملًا مؤسَّسيًّا تربويًّا واجتماعيًّا مستدامًا يتواكب مع التحدِّيات المستقبليَّة، ويمكن بَلْوَرة ذلك من خلال خمس استراتيجيَّات رئيسة وهي:
1. الأمن السيبراني الثقافي والتربية الإعلاميَّة:
فلم يَعُد الأمن الرَّقمي مجرَّد حماية تقنيَّة للشبكات أو تشفير للبيانات، بل امتد ليرتبط بالبناء المعرفي للمستخدم؛ عبر تحصين العقل الشبابي ضد خوارزميَّات التوجيه الرَّقمي، وحملات التضليل المعلوماتي (Disinformation)، والحروب النفسيَّة الموجَّهة عبر منصَّات التواصل الاجتماعي، ويتحقق ذلك بدمج موديولات «التربية الإعلاميَّة والرقميَّة» في المناهج المدرسيَّة والجامعيَّة لتطوير قدرات كشف الشائعات والتعامل مع تقنيَّات التزييف العميق.
2. الحوار الوطني المفتوح وصناعة الرأي الرصين:
تعتمد هذه الاستراتيجيَّة على إحلال الشفافيَّة المعرفيَّة محل التكهنات والانطباعات السطحيَّة، من خلال تنظيم الجلسات الحواريَّة والمناظرات الأكاديميَّة التي تجمع الشباب بصنَّاع القرار والخبراء الاستراتيجيين لمناقشة التدافعات الجيوسياسيَّة بشفافيَّة تحليليَّة تبرز مبررات الموقف الرَّسمي لسلطنة عُمان ودوره المحوري في حماية الأمن القومي، وذلك ما شهدناه في الفترة المنصرمة عبر نافذة «معًا نتقدم».
3. التكامل بين مؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة:
تتطلب هذه الاستراتيجيَّة خلق نسق متناغم يجمع الأُسرة، والمدرسة، والمؤسَّسة الدينيَّة، والأنديَّة الشبابيَّة، والإعلام؛ لبناء منظومة قِيَميَّة موحَّدة تُعزِّز الهُوِيَّة الوطنيَّة الجامعة، وتركز على نشر التسامح والاعتدال، وتفعيل المتابعة الواعية للشباب في بيئاتهم الرقميَّة والواقعيَّة دون وساطة فكريَّة خارجيَّة.
4. ربط الأمن الأيديولوجي بمحركات التنمية (رؤية عُمان 2040):
إذ إن ترسيخ مفهوم الاستقرار الأمني والفكري هو الشرط الأول للنُّمو الاقتصادي، والابتكار، وجذب الاستثمارات؛ فعندما يدرك الشاب أن استقرار وطنه وأمنه الفكري هما الضامن المباشر لتحقيق تطلُّعات «رؤية عُمان 2040» وتوفير الفرص المستقبليَّة، يتحول الوعي الأمني لديه من حسٍّ دفاعي مجرَّد إلى مسؤوليَّة وطنيَّة ومصلحة ذاتيَّة جليَّة.
5. التنبؤ بالأزمات وصناعة الاستجابة السريعة:
يُمثِّل الانتقال من مرحلة «رد الفعل» إلى مرحلة «الاستباق الوقائي» ضرورة قصوى للجهات ذات الصلة بالوعي الأمني؛ وذلك من خلال إنشاء مراصد للوعي المُجتمعي ترصد اتجاهات الرأي العام الرَّقمي والقضايا المؤرقة للشباب، وتوفير محتويات رقميَّة مبسطة ورصينة تُسهم في إثبات الحقائق والرد على الحملات التحريضيَّة بأُسلوب علمي وإقناعي يتماشى مع لغة العصر.
ختامًا، فإن الوعي الأمني للشباب العُماني هو حجر الزاوية في منظومة الاستقرار الوطني، فهو يتجاوز البُعد الأمني المباشر ليصل إلى صلب الهُوِيَّة الوطنيَّة، والتنشئة التربويَّة والاجتماعيَّة، والقِيَم الأخلاقيَّة الراسخة، في عالم يموج بالتغيُّرات والاضطرابات، ليباهي الوطن بشباب يمتلكون العقل الراجح، والحسّ المسؤول، والقدرة على حماية المكتسبات، لتبقى عُمان كما كانت دائمًا: واحة أمان، وموطنًا للحكمة، وجدارًا منيعًا في وجه كل التحوُّلات.
د. سلطان بن خميس الخروصي
كاتب عُماني