مع اتساع أنشطة الشركات الإنتاجيَّة الكبرى، وتعاظم دورها في الإسهام في إجمالي الناتج المحلِّي، تتسع دائرة تسليط الضوء على مفهوم المسؤوليَّة الاجتماعيَّة للشركات، التي لم تَعُد في مفهومها الحديث مجرَّد مساهمات ماليَّة أو تبرعات تقدِّمها الشركات في المناسبات والمبادرات الإنسانيَّة، إنما صارت جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى تحقيق أثر اجتماعي وتنموي مستدام.
ومع زيادة الاهتمام بالمسؤوليَّة الاجتماعيَّة للشركات، كمفهوم اقتصادي اجتماعي، تبرز أهميَّة توجيه هذه المسؤوليَّة نحو مشروعات قادرة على الاستمرار وتوليد الموارد، بما يُحقق منفعة متبادلة بين القطاع الخاص والمُجتمع ومؤسَّساته المَدنيَّة.
وبذلك، جاء تركيز الاقتصاديين والاجتماعيين معًا على المؤسَّسات الخيريَّة كشريك فاعل في التنمية الاجتماعيَّة، ليس فقط من خلال تقديم المساعدات والرعاية للفئات المستحقة، وإنما أيضًا عبر تطوير نماذج اقتصاديَّة تمكِّنها من بناء موارد ماليَّة مستدامة، تقلِّل من اعتمادها على التبرعات الموسميَّة، وتمنحها قدرة أكبر على التخطيط وتنفيذ برامجها على المدى الطويل.
وهنا يمكن القول بأن مشروع المبنى الاستثماري لمبادرة «الخير وافي»، التابعة لجمعيَّة الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة في سلطنة عُمان، يُمثِّل نموذجًا عمليًّا لهذا التوجُّه؛ حيث وقَّعت شركة صحار ألمنيوم والشركة العُمانيَّة الهنديَّة للسماد «أوميفكو» مؤخرًا اتفاقيَّة لدعم تمويل إنشاء المبنى الاستثماري، يعود ريعه بالكامل إلى الجمعيَّة، بما يوفر مصدرًا ماليًّا مستدامًا لتمويل برامج كفالة الأيتام والبرامج التعليميَّة والتأهيليَّة والاجتماعيَّة.
وتكمن أهميَّة هذا المشروع في أنه يتجاوز مفهوم المساعدة المباشرة إلى تأسيس أصلٍ استثماري منتج، خصوصًا وأن المبنى ذا الستة طوابق، بوحداته التجاريَّة والسكنيَّة والمكاتب، يمكن أن يتحول إلى مورد مالي مستمر؛ لِيتيحَ لجمعيَّة الرحمة لرعاية الأمومة والطفولة توسيع برامجها والاستجابة بصورة أكثر فاعليَّة للاحتياجات المتغيِّرة للمستفيدين، ومن بينهم أكثر من (1100) يتيم في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
وهنا تتضح العلاقة التكامليَّة بين المسؤوليَّة الاجتماعيَّة والاستثمار الاجتماعي؛ إذ إن إقبال كل من شركة صحار ألمنيوم والشركة العُمانيَّة الهنديَّة للسماد على هذه الخطوة، وحرص جمعيَّة الرحمة على مواصلة دعمها للفئات التي تستهدفها، سينتج عنه عمليًّا تحويل المساهمة إلى قِيمة اقتصاديَّة واجتماعيَّة مُتجدِّدة. وهذا ـ في تقديري ـ نموذج أكثر نضجًا للمسؤوليَّة الاجتماعيَّة؛ لأنه ينقلها من مفهوم «الدَّعم الآني» إلى مفهوم «الاستثمار طويل الأجل»، من حيث استدامة أثره على المستويين الاقتصادي والاجتماعي.
كما أن هذا التوجُّه يفتح أمام المؤسَّسات الخيريَّة آفاقًا جديدة للتفكير الاقتصادي، وذلك من خلال إنشاء الأوقاف الاستثماريَّة، وتطوير المشروعات المدرة للدخل، وإدارة الأصول بكفاءة، مع الحفاظ على طبيعتها وأهدافها الإنسانيَّة؛ حيث إن الاستثمار هنا ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتعزيز قدرة المؤسَّسة على أداء رسالتها.
كما أن نجاح مثل هذه التجارب يمكن أن يشجِّع مزيدًا من الشركات على إعادة صياغة برامج مسؤوليَّتها الاجتماعيَّة، بحيث تتَّجه إلى مشروعات إنتاجيَّة مستدامة، كما يمكن أن يحفِّز المؤسَّسات الخيريَّة على بناء قدراتها الاقتصاديَّة والإداريَّة.
وبذلك، يصبح الاستثمار الاقتصادي في المؤسَّسات الخيريَّة أحَد المسارات الواعدة لتعزيز التنمية الاجتماعيَّة؛ كونه يجمع بين رأس المال والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة، وبين العائد الاقتصادي والأثر الإنساني، وبالتَّالي يُسهم في تحويل العمل الخيري من الاستجابة للحاجة إلى بناء القدرة على مواجهتها بصورة مستدامة.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»