الخميس 03 سبتمبر 2026 م - 21 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

من لقاء عبدالناصر ـ شو إن لاي إلى الذكرى الـ«70» للعلاقات الاستراتيجية المصرية ـ الصينية

من لقاء عبدالناصر ـ شو إن لاي إلى الذكرى الـ«70» للعلاقات الاستراتيجية المصرية ـ الصينية
الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 02:57 م

خميس بن عبيد القطيطي

20

منذ اللقاء التاريخي بين الرئيس جمال عبدالناصر والرئيس شو إن لاي في باندونج عام (1955م)، والعلاقة المميَّزة التي جمعت الزعيمين مع زعماء كبار أمثال الرئيس الهندي جواهر لال نهرو، والرئيس الإندونيسي أحمد سوكارنو، واليوغوسلافي جوزيف تيتو، والغاني نكروما، الذين أسَّسوا لمؤتمر عدم الانحياز، وبعد عام واحد من لقاء باندونج التاريخي، تأسَّست العلاقات الدبلوماسيَّة بين البلدين في (30) مايو (1956م)، فكانت مصر أوَّل بلد عربي وإفريقي يُقِيم علاقات مع جمهوريَّة الصين الشَّعبيَّة. وهنا تشابُه تاريخي مُهمٌّ بين التجربة الناصريَّة وتجربة الصين حينذاك؛ فقد كانت الصين تخوض معركة تثبيت استقلالها وسيادتها الوطنيَّة، ومصر حينها كانت تسعى إلى التحرُّر من النفوذ الاستعماري؛ فكلا البلدين تبنَّيا خِطاب السيادة الوطنيَّة ورفض الهيمنة الخارجيَّة، ومناهضة الاستعمار، ودعم حركات التحرُّر الوطني. فكانت باندونج المحطَّة الأبرز التي جمعت الزعيمين ضمن حركة أوسع لتأسيس منظَّمة عدم الانحياز. ولهذا أصبح الزعيم جمال عبدالناصر في الذاكرة السياسيَّة الصينيَّة رمزًا من رموز حركات التحرُّر الوطني في العالم الثالث. وبالتَّالي، كانت العلاقات الصينيَّة ـ المصريَّة تُمثِّل أهميَّة كبرى للصين؛ لأنها فتحت الباب أمام قوَّة عالميَّة صاعدة نحو القارة الإفريقيَّة عبر البوَّابة المصريَّة المحوريَّة عربيًّا وإفريقيًّا.

اليوم، وبعد ذلك التاريخ المضيء، مرورًا بجميع المراحل والعهود اللاحقة، سجَّلت العلاقات المصريَّة ـ الصينيَّة تطوُّرًا سياسيًّا واقتصاديًّا لافتًا؛ لِتأتيَ زيارة الرئيس الصيني إلى جمهوريَّة مصر العربيَّة في الذكرى الـ(70) للعلاقات بين البلدين، ليس للاحتفاء بالرمزيَّة التاريخيَّة فحسب، بل لِتُشكِّلَ أُسُس الشراكة السياسيَّة والاقتصاديَّة لبلدين محوريين. وهنا يعيد التاريخ نفسه؛ فمن الجانب السياسي، هناك تقارب واضح بين رؤية البلدين تجاه التعدديَّة الدوليَّة، ورفض الهيمنة الأحاديَّة، وتعزيز دور دول الجنوب العالمي. واقتصاديًّا، أصبحت الصين من أهمِّ الشركاء التجاريين لمصر؛ فقد بلغ حجم التبادل التجاري في منتصف عام (2026)، أي خلال (6) أشهر، (11) مليار دولار، مع حضور صيني واسع في مشروعات البنية الأساسيَّة والصناعة والتكنولوجيا والطُّرق. وتكمن الأهميَّة الاقتصاديَّة لمبادرة الحزام والطريق من خلال المنطقة الاقتصاديَّة لقناة السويس والعاصمة الإداريَّة، اللتين تُشكِّلان أبرز نماذج العلاقة الاقتصاديَّة بين البلدين.

زيارة الرئيس الصيني تفتح الباب للشراكة السياسيَّة والاقتصاديَّة مع أهمِّ بلد في الشرق الأوسط بحُكم التاريخ، والجغرافيا السياسيَّة، والمصادر المتوافرة في جمهوريَّة مصر العربيَّة، وباعتبارها البوَّابة الرئيسة للوطن العربي والقارَّة الإفريقيَّة، وما تُمثِّله مصر من ارتباط عميق في قضايا سياسيَّة مُتعدِّدة، ووجود الصين كقوَّة عالميَّة وازنة. وبالتَّالي، فإن العلاقات المصريَّة ـ الصينيَّة تُمثِّل أهميَّة تتجاوز البُعد الوطني المصري؛ لِتلامسَ البُعد القومي العربي، والتي نتمنَّى أن تتقدم مع بقيَّة الدول العربيَّة، فيما يُسهم بتعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة عمومًا.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]