اتصل بي أحد الزملاء العُمانيين يسألني عن موقع إحدى الشركات، فشرحتُ له الطريق، وذكرتُ اسم القرية القريبة، وحدَّدتُ له المدخل الذي ينبغي أن يسلكه، ونبَّهتُه إلى أنَّ تطبيق الخرائط قد يقوده إلى بوَّابة جانبيَّة مغلقة. وبعد دقائق، اتصل مؤكدًا أنه وصل، وانتهى الموقف عنده، لكنَّه لم ينتهِ عندي؛ فقد تذكرتُ أن الأمر تكرر خلال الفترة الأخيرة مع أكثر من زميل عُماني: يسألني أحدهم عن وجهة سياحيَّة أو منطقة صناعيَّة، ويستفسر آخر عن طريق ولاية، ويطلب ثالث وصف موقع بعيد عن التجمُّعات السكنيَّة. وفي كل مرَّة، كنتُ أجيبه بثقة شخص يعرف الموضع، لا شخص يبحث عنه للمرَّة الأولى. وضحكتُ بيني وبين نفسي متسائلًا: هل وصلتْ بي سنوات الإقامة في سلطنة عُمان إلى أن أدلَّ بعض أبنائها على أماكن في وطنهم؟ كان السؤال طريفًا في ظاهره، لكنَّه دفعني إلى مراجعة علاقتي بهذه الأرض الطيِّبة، وكيف انتقلتْ أسماؤها وتفاصيلها بهدوء من الخرائط إلى ذاكرتي.
رُبَّما يعود جانب من ذلك إلى عملي؛ فقد أخذني، خلال سنوات طويلة، إلى محافظات وولايات ومناطق لم أزُرْها سائحًا، ولم أصلْ إليها بحثًا عن مشهد جميل. ذهبتُ إلى مصانع بعيدة، ومزارع لا تظهر لافتاتها بسهولة، وموانئ، ومناطق صناعيَّة، ومواقع مشروعات، وسلكتُ طُرقًا طويلة من مسقط إلى صحار والبريمي ونزوى، ومن الدُّقم إلى محوت وصلالة. وكانت بعض الرحلات تبدأ بموعد عمل وتنتهي بمعرفة جديدة؛ فلكل إنسان من مهنته نصيب يرافقه حتى خارج مكتبه، والصحفي الذي يسكنني لم يكُن يترك الأماكن تمرُّ أمام نافذة السيَّارة ثم ينساها، بل كان يتأملها بطريقة أقرب إلى الفلسفة، ويتساءل عمَّا تقوله القرية عن أهلها، وما الذي غيَّره الطَّريق الجديد في حياتهم؟ ولماذا اتَّسعت مدينة في اتِّجاه معيَّن؟ وكيف صنعت الجغرافيا طباع السكان وأعمالهم؟ ولهذا، لم أكُنْ أحفظ أسماء المواقع وحدها؛ فقد ارتبط بعضها في ذهني بوجْه رجُل أرشدني، أو مقهى توقفتُ عنده، أو حديث عابر كشف لي عن المكان أكثر ممَّا تكشفه عشرات الصفحات.
ومع الوقت، أدركتُ أن معرفة الأوطان لا توزَّع بالتساوي على المقيمين فيها، ولا تمنحها شهادة الميلاد وحدها؛ فقد يعيش الإنسان عمره في مدينة ولا يغادر الدائرة التي تصل منزله بعمله وأُسرته، وقد تقوده مهنته أو فضوله إلى معرفة مناطق لا يعرفها كثيرون ممَّن وُلدوا على أرضها. وهذا لا يجعلني أكثر معرفة بعُمان من أهلها؛ فلكل واحد منهم عُمان التي يعرفها. فهناك الصيَّاد يحمل خريطة للبحر أعجز عن قراءتها، والمزارع يدرك أسرار الأرض والماء، وابن الجبل يعرف مسالك لا تستطيع أكثر تطبيقات الملاحة دقةً أن تشرحها. أمَّا خريطتي، فقد رسمَتها الاجتماعات والرحلات والأسئلة التي طرحتُها على الناس، ورُبَّما بعض المداخل الخاطئة التي سلكتُها؛ فالخطأ في الطريق ـ على ما يبدو ـ إحدى أكثر وسائل التعلُّم فاعليَّة، وإن كان أقلّها راحةً.
لقد جعلتني تلك المواقف أكتشف أن طول الإقامة لا يُقاس بعدد السنوات المسجَّلة في جواز السفر؛ فهناك سنوات تَعْبر فوق الإنسان دون أن تترك أثرًا، وهناك رحلة واحدة تمنحه صلةً جديدةً بالأرض. وأنا لم أعُدْ أتذكر متى توقفت عُمان عن كونها مجموعةً من المُدن التي أتنقل بينها، وأصبحت تفاصيلها جزءًا من ذاكرتي، لكنني أعرف أن ذلك حدَث بالتدريج، مع كل طريق قطعتُه، وكل شخص التقيتُه، وكل تحوُّل شاهدته في ولاية عدتُ إليها بعد غياب. ولذلك، لم أشعر بالزهو وأنا أدلُّ زملائي على وجهاتهم، وشعرتُ بامتنان خفي؛ لأنني اكتشفتُ أن السنوات التي قضيتُها هنا لم تمرَّ بمحاذاة المكان، فقد دخلتُ إليه ودخل إليَّ، حتى أصبحتُ أحملُ في داخلي خريطةً لعُمان لا تظهر على الهاتف؛ خريطةً رسمَتها الحياة، ووضعت عند كل نقطة منها شيئًا من عمري.
إبراهيم بدوي