الأربعاء 23 سبتمبر 2026 م - 11 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

خواطر سبتمبرية

خواطر سبتمبرية
الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 02:52 م

د.أحمد مصطفى أحمد

60

يحمل شهر سبتمبر (أيلول) من كل عام شحناتٍ مكثفةً من التداعيات، الشخصيَّة والوطنيَّة والقوميَّة، وحتى العالميَّة. ولأنه شهر انتقال فصلي يتعلق بالمناخ في أنحاء الكرة الأرضيَّة، فقد ألْهَم الشعراء حول العالم أيضًا. ولعلَّنا نذكر جميعًا أغنية فيروز عن أيلول و«ورقه الأصفر»، وكيف يذكِّرها بحبيبها. حتى اللون الأصفر، الذي يميِّز نهاية الصيف وبداية الخريف، فكم أثار من المعاني والدلالات! هناك مَن يراه لون الذهب، أي الثروة والعِز، وهناك مَن يراه لون المَرض والذبول. أمَّا الأحداث التاريخيَّة التي شهدها هذا الشهر من شهور السنة الاثني عشر فهي كثيرة، ويصعب حصرها. وتعود إلى ما يُذكر عن أنه فيه هاجر رسول الله محمد بن عبد الله ـ عليه السَّلام ـ من مكة إلى المدينة التي وصلها بنهاية الشهر عام (622) ميلاديَّة. وفي هذا الشهر، بداية القرن التاسع عشر، تمكَّن عالم المصريَّات الفرنسي جان فرانسوا شامبليون من فكِّ رموز الكتابة الهيروغليفيَّة بعد دراسته لحجر رشيد بنهاية شهر سبتمبر عام (1822). وفي ذلك الشهر من عام (1931)، اعتقل الاحتلال الإيطالي المجاهد الليبي عمر المختار وأعدمه؛ لِيموتَ شهيد نضال التحرُّر الوطني في ليبيا.

لا أعرف إن كانت مصادفةً أم أمرًا محسوبًا أن تكون أيضًا ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا مطلع الشهر الذي استشهد فيه عمر المختار، وإن كان الليبيون رُبَّما لا يحتفلون الآن بتلك الذكرى. ليست بالطبع كل الأحداث التي شهدها شهر سبتمبر بالجيِّدة والإيجابيَّة؛ فهناك ذكرى «أيلول الأسود» للقتال بين الفصائل الفلسطينيَّة المُسلَّحة والقوَّات الحكوميَّة في الأردن عام (1970). ثم هناك الحدث الأقرب للأذهان مطلع القرن الحادي والعشرين، وهو الهجمات على نيويورك في (11) سبتمبر (2001)، والتي ما زال العالم يعيش تداعياتها السلبيَّة إلى الآن. وهكذا، فليست كل ذكريات سبتمبر «أيلول دهب مشغول»، إنما هناك أيضًا ثمار مُرةً نبتت أو نضجت في ذلك الشهر من العام. وفي سياق مناسبات سبتمبر، ففيه أيضًا اليوم الدولي لمحو الأُميَّة (يوم 8)، واليوم العالمي للحفاظ على طبقة الأوزون (يوم 16)، واليوم العالمي للسَّلام (يوم 21)... أمَّا اليوم الذي يهمني كثيرًا، وإن كان ليس يومًا عالميًّا بل قاصرًا تقريبًا على مصر، فهو يوم (9) سبتمبر؛ حيث الاحتفال بعيد الفلَّاح.

يرجع اختيار ذلك العيد رسميًّا إلى تاريخ قانون الإصلاح الزراعي في مصر قَبل نحو ثلاثة أرباع القرن؛ حيث تمَّ القضاء على الإقطاع الزراعي وتوزيع أراضي الإقطاعيين على صغار الفلَّاحين. ومع أننا لم نستفد من ذلك القانون في قريتي الصغيرة بقلب دلتا النيل، إلَّا أن عملي في فلاحة الأرض حتى دخلت الجامعة يجعلني «فلَّاحًا» بالمعنى الفعلي وليس المجازي. وما زلتُ، بعد كل هذا العمر والعمل في مهن مختلفة، في القلب منها الصحافة والإعلام، أحنُّ بشدَّة للعودة إلى الأرض والزراعة. ورُبَّما ذلك سبب الاهتمام بهذا العيد من مناسبات سبتمبر العديدة. بعيدًا عن عيد الفلَّاح، يتفق شهر سبتمبر مع بداية شهور السنة القبطيَّة التي كنَّا نعتمدها كتقويم في الزراعة. يبدأ الشهر بأيَّام النسيء، ثم شهر توت، أول شهور السنة المصريَّة القديمة. وقَبْل بناء السَّد العالي، كان شهر توت هو بداية فيضان النِّيل؛ حيث تُروى الأرض للزراعة. ومن الأمثال الشَّعبيَّة القديمة التي ارتبطت بهذا الشهر، وما زلتُ أذكرها: «توت ريّ ولا تموت»، و«في توت اروِ ولا تفوت».

في شهر سبتمبر أيضًا تنتهي الإجازة الصيفيَّة للمدارس والجامعات والبرلمانات والمحاكم في كثير من دول العالم، ويعود الطلاب والنوَّاب والقضاة للدراسة والعمل؛ بعضهم بأول الشهر وبعضهم بنهايته. ومع أن ذلك يرتبط بأن أغلب الناس تقضي إجازاتها السنويَّة في شهر أغسطس حتى بداية سبتمبر، إلَّا أن بدء دورة جديدة من عمل معاهد العِلم وبيوت التشريع وإنفاذ القانون تتسق مع بداية السنة المصريَّة القديمة وبداية موسم الفيضان والزراعة قديمًا. لا أتصوَّر أن تلك مجرَّد مصادفات تتعلق بشهر سبتمبر وتثير في النفس خواطر كثيرة، إنما هي تقاليد قديمة مستمرَّة مرتبطة بتغيُّر الفصول، وأساسًا بالحاجة الأهم للإنسان، وهي زراعة الأرض لتوفير غذائه. وهذا ما يُعزِّز لديَّ أهميَّة التاسع من سبتمبر ـ عيد الفلَّاح ـ الذي أعدُّه أحَد أهم مصادر استمرار الحياة على الأرض. فمهما تقدَّمت البشريَّة وطوَّرت من تكنولوجيا، ليس هناك مَن يعوِّض حاجتها للغذاء من نبتِ الأرض والحيوانات التي ترعى عليه.

بالطبع، لا يمكن تجاهل أن تطوُّر الصناعة وغيرها من قطاعات الاقتصاد في العالم كان وما زال في غاية الأهميَّة على مرِّ القرون، لكن الزراعة تظل في القلب من كل مُقوِّمات حياة البشر؛ ليس بتوفير الغذاء فحسب، وإنما أيضًا كمُكوِّن مُهمٍّ في التجارة العالميَّة والصناعات الغذائيَّة والحيويَّة الأخرى. كما أن الزراعة تحافظ على ما يكفي من المساحات الخضراء الضروريَّة، بشكلٍ حادٍّ، للتوازن البيئي والحدِّ من التغيُّرات المناخيَّة الناجمة عن انبعاثات مسبِّبة للاحتباس الحراري. فالنباتات الخضراء أهمُّ «منظِّف» للبيئة، بامتصاصها ثاني أكسيد الكربون من الجوِّ وإطلاق الأكسجين نتيجة عمليَّة الأيض الغذائي النباتي. مهما حدَث التحوُّل من الريف إلى الحضر، وانتقل الناس من الفلاحة إلى غيرها من المهن، تبقى الزراعة عماد حياتنا، ويبقى للفلَّاح والمزارع فضل كبير على استمرار البشريَّة.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]