الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 م - 10 ربيع الثاني 1448 هـ
أخبار عاجلة

فـي مولد النبي «عليه الصلاة والسلام».. حين يصنع التدين طبقية لم يصنعها الدين «2»

الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 02:51 م
30

.. والخطر الأكبر في (الطبقية الدينية) أنها تفسد الطرفين معًا، فالمنتمي إلى البيئة المتدينة قد يتكون لديه، من حيث يشعر أو لا يشعر، إحساس بأنه من (أهل الفضل)، ثم ينتقل هذا الشعور من رجاء رحمة الله إلى نوع من الاطمئنان إلى النفس، وعندها تحدث ظاهرة أشد خطورة: تصبح هوية الفاعل أحيانًا أقوى من الحكم على الفعل، فإذا صدر التصرف نفسه من شخص مصنف اجتماعيًا بأنه (ملتزم) التُمست له التأويلات والأعذار، وربما تحول خطؤه إلى اجتهاد مأجور عليه؛ بينما لو صدر من آخر عُدَّ دليلًا على ضعف دينه، وهذا انقلاب خطير في ميزان العدالة؛ لأن الإسلام يزن الأشخاص بالأعمال، ولا يزن الأعمال بالأشخاص، ولم يعطِ النبي (صلى الله عليه وسلم) أصحابه حصانة أخلاقية لمجرد صحبتهم له.

فالخطأ يظل خطأ، والحق يظل حقًّا، والعدل لا يتغير بتغير اسم مرتكبه، أما الأثر الثاني، وهو أقل ظهورًا، فيقع في نفوس من وُضعوا خارج دائرة (الملتزمين(، حين يسمع الإنسان طويلًا أنه (غير ملتزم)، مع أنه يصلي ويصوم ويؤمن بالله ورسوله، ولكنه يخالف الصورة الاجتماعية السائدة في بعض الهيئات أو المسائل الاجتهادية، فقد يبدأ تدريجيًا في قبول التصنيف، يقول لنفسه: أنا فعلًا لست من أهل الاستقامة، وهنا يتحول التصنيف الخارجي إلى هوية داخلية، وقد تكون هذه النتيجة أخطر من المسألة التي بدأ منها الخلاف؛ لأن الإنسان إذا أقنع نفسه بأنه من (العصاة) فقد تضعف مقاومته لمعاصٍ حقيقية لا خلاف في حرمتها، أما حين يشعر بأنه عبد لله، وأن أبواب الطاعة كلها مفتوحة أمامه، وأن تقصيره في باب لا يخرجه من أبواب الخير الأخرى، فإنه يبقى متعلقًا بالصعود، إننا نحتاج إلى خطاب يقول للمُقصِّر: اقترب، لا خطابًا يشعره بأنه يعيش أصلًا خارج أسوار الصالحين.

ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه أن قول الله تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ينتهي بكلمتين بالغتي الدلالة:(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، وكأن الآية تضع ميزان التفاضل ثم تذكرنا بمن يملك العلم الحقيقي بمن استحقه، فالله يعلم، ونحن نرى الظاهر، ولهذا جاء التحذير القرآني الصريح:(فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى)، وإن أخطر لحظة في التدين ليست حين يشعر الإنسان بتقصيره؛ فالشعور بالتقصير قد يدفعه إلى الله، وإنما حين يطمئن إلى منزلته عند الله ويبدأ، من تلك المنزلة المتوهمة، في توزيع الناس درجاتٍ حوله.

إنّ الاحتفاء الحقيقي بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم) ليس فقط أن نتحدث عن يوم جاء فيه إلى الدنيا، وإنما أن نسأل: كم بقي من طريقته فينا؟، لقد جاء (صلى الله عليه وسلم) ليُقرِّب الناس إلى الله، لا ليصنع بينهم طبقات، وليهذِّب التدين كما هذَّب الأخلاق، وليجعل العبادة طريقًا إلى التواضع لا منصةً للاستعلاء، نحتاج في مجتمعاتنا إلى المتدين الذي يجلس مع الناس ولا يتعالى عليهم، والعالم الذي يعلّمهم ولا يحتقر جهلهم، والصالح الذي يرى حسنات الآخرين قبل أن يحصي عليهم تقصيرهم، والداعية الذي يعرف أن مهمته أن يفتح الطريق إلى الله لا أن يقف على بابه ليفرز الداخلين، ونحتاج في المقابل إلى ألا نجعل نقد الطبقية الدينية ذريعة للاستخفاف بالعبادة أو السنن أو أهل العلم؛ فذلك تطرف مقابل لا يعالج المشكلة، وإنما يعكسها.

والمعادلة النبوية أعمق من الطرفين: تدينٌ بلا استعلاء، وصلاحٌ بلا احتكار، وعلمٌ بلا طبقية، ومجتمعٌ لا يشعر فيه العاصي أن أبواب الله أغلقت دونه، ولا يشعر فيه الطائع أنه امتلك مفاتيح الجنة، وحين يعود التدين إلى هذا المعنى، ربما نفهم المولد بطريقة أخرى: لم يولد محمد (صلى الله عليه وسلم) ليزداد به عدد (المتدينين) في التاريخ، بل جاء ليصنع إنسانًا كلما ازداد من الله قربًا، ازداد من خلق الله تواضعًا ورحمة.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني