..وإذا تذكرنا الصلاة وهي قرة عين المسلم والحياة الآمنة المباركة التي يعيشها بين يدي خالقه في اليوم والليلة، حيث كان الرسول (عليه الصلاة والسلام) يوجه الصحابة عندما يصلون بالناس رحمة بهم، فعن أبي مسعود الأنصاري ـ رضي الله عنه ـ قال:(جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: إني لأتأخَّر عن صلاة الصبح، من أجل فلان؛ مما يطيل بنا، قال: فما رأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غضب في موعظة قطُّ أشدَّ مما غضب يومئذٍ، فقال: يا أيها الناس، إن منكم منفِّرين، فأيُّكم أمَّ الناس، فليُوجِز؛ فإن من ورائه الكبير، والصغير، وذا الحاجة) فكان هديه (عليه الصلاة والسلام) الرحمة بأمته وهي التخفيف والتيسير والوسط في الصلاة مع المحافظة على أوقاتها وأركانها، واستجاب الصحابة ـ عليهم السلام ـ لهذا التوجيه النبوي، فكان عبدالرحمن بن عوف يقرأ بأقصر سورتين من القرآن الكوثر والنصر، واقتدوا برسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذي قال عنه أنس بن مالك:(ما صليت وراء إمام قط أخف صلاةً، ولا أتم صلاةً من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمة بأحوال الناس واكتسابهم بالرحمة والمحبة).
نجد أنّ هناك بعض الآباء لا يتحملون لعب الأطفال وصراخهم ويقضون أوقاتًا طويلة بعيدة عن البيت لأخذ جوٍّ من الراحة بعيدًا عن الأطفال، علمًا أن الجلوس مع فلذات أكبادنا وتقبيل الأطفال وضمهم إلى حضن الأب من المعاملة العظيمة لكسب قلوب هذه البراعم الناشئة، فكان الرسول (صلى الله عليه وسلم) مُحبًّا حنونًا رحيمًا بالأطفال، إذا رأى ولده إبراهيم يأخذه فيقبله ويشمه، كما روى ذلك الإمام البخاري، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:(قبَّل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرةً من الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم قال: مَنْ لا يرحم لا يُرحَم)، وفي الصحيحين:(عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ).
ويقول الله تعالى:(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران ـ 159)، فكان النبي (صلى الله عليه وسلم) أعظم وأفضل الرجال في حسن التعامل والعشرة مع زوجاته، فقال (صلى الله عليه وسلم): (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي).
وكان (عليه أفضل الصلاة والسلام) إذا دخل بيته مَلَك قلوب أزواجه بالعطف والإحسان والرحمة والحنان، فإذا قُدِّم له طعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وما عاب طعامًا قط، ولا سبَّ امرأة ولا شتمها، وما يروى عنه أنه:(ومَا ضَرَبَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وكان يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، وكان يخدم نفسه ويُعين أهله ويساعدهم في أمورهم، ويكون في حاجاتهم)؛ كما تقول أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها: (كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ).
إذن على كل مسلم أن يقف وقفة إجلال وتدبُّر في حياة رسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) الخالدة مدى الأزمان يستلهم منها الدروس والعبر والمواقف فهي نهر متدفق حافل بأنواع عظيمة من الرحمة النبوية الذي أكرمه الله بها على جميع البشر ورسالته الخاتمة ستظل مضيئة مشرقة إلى يوم القيامة تحمل الحب والرحمة المباركة بين كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
كاتب عماني
مبارك بن عبدالله العامري