يختلف التوكيد في الجمل الاسمية عنه في الجمل الفعلية في لغتنا الجميلة، فإذا أردنا توكيد الجملة الاسمية فله أدوات، منها: لام الابتداء، وإنّ وأخواتها، واللام المزحلقة، والقسم، والتوكيد اللفظي للجملة كاملة، وهي وسائل لغوية تؤكد، وترسخ الدلالة المسوقة في التركيب، وقد تكون لشرف لمؤكد، وقد تكون لانتشال الشك في ذهن القارئ وعقله، وقد تأتي تثبيتًا لمن لا ينكر، ولا يشك، ترسيخًا للمعنى في حِسّهِ، وعقله، وروحه، وأما توكيد الجمل الفعلية فله أدوات أخرى، منها قد، واللام، واللام وقد، ومنها المفعول المطلق، ومنها نون التوكيد الداخلة على الفعل المضارع، ومنها القسم نونه المعروفة، ومنها التوكيد اللفظي للجملة الفعلية، وهكذا يختلف توكيد الجمل الاسمية عن توكيد الجمل الفعلية، ومثل ذلك له دلالاته، وسياقاته، وخلاصته توكيد المعنى في ذهن القارئ، وترسيخه المقصود؛ حتى يمضي في حياته بناء عليه، ويلتزم بأحكام الله، من خلال هذه التوكيدات المنتشرة في القرآن الكريم، في السور المكية، وكذلك في السور المدنية، وقد كثرت في السور المكية؛ لأن العربي يحتاج في أول إيمانه إلى ترسيخ الدلالات العقدية في قلبه.
ونأخذ نماذج من القرآن الكريم على توكيدات الجمل الاسمية، وتوكيدات الجمل الفعلية؛ لنرى أثر ذلك التوكيد، ومدى ما أوقعه في نفس المتلقي: قارئًا، أو مستمعًا، دارسًا، أو مُحِبًّا للغة الكتاب العزيز: يقول الله تعالى:(وَلأمُةٍ مُؤمنةٍ خيرٌ من مُشركةٍ وَلَو أعجبتكم)، ويقول أيضًا:(وَلَعَبدٌ مُؤمِنٌ خَيرٌ مِن مُشرِكٍ، وَلَو أَعجَبَكُم)، هنا لفت أنظار المجتمع العربي: المكي، والمدني، إلى ما لم يكونوا يأبهون له، وهو أن العبد، أو الأمة لا يكونون خيرًا من الحر، أو الحرة، لكن تأكيد القرآن الكريم بلام الابتداء جاء فرسخ لهذا الحكم الفقهي، والإيماني بأن العبودية أو الحرية لا دخل لها في قضية الإماء والعبيد، فقد يكون ثم عبد أفضل من أي حر، وقد تكون هناك أمة أفضل من الحرائر، فالتوكيد هنا لفت نظر المجتمع إلى قضية أخرى هي قضية العمل والإخلاص والتقوى:(إنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللهِ أَتقَاكُم) ولم يقل أكثركم حرية أو غنى، فالمعيار الرباني هنا هو خيرية العمل، وتوجه صاحبه إلى الله، ويقول الله تعالى:(وَلَدارُ الآخرةِ خَيرٌ، وَلَنِعمَ دَارُ المُتَّقين)، فلام الابتداء هنا أدَّت دورًا عظيمًا، حيث إنها أحدثت ردة فعل قوية في نفس المتلقي الذي لم يكن يعلم عن الدار الآخرة شيئا يذكر، فأخذته بعمق نحو مكانة الدار الآخرة، وأنها أخير من كل شيء.
وفي نحو:(وإِنَّكَ لَعلَى خُلُقٍ عَظَيم)، هنا دخلت معظم أدوات التوكيد، منها القسم الذي حذف فيه المقسم به، ووجد دليله، وهو واو القسم، واللام الواقعة في جواب القسم، وإن، واللام الواقعة في خبر إن، وهي اللام المزحلقة، كل ذلك لبيان مكانة ومنزلة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، وأن خلقه قد فاق خلق الناس أجمعين، وأن قد استوعب جميع الأخلاق التي يتعشقها الخلق كلهم، فهي موجودة فيه، وهو فوقها؛ باستعمال حرف اجر الذي يفيد الاستعلاء(على) خلق، وتنكير(خلق) ليشمل كل خلق، ومجيء (عظيم) صفة مشبهة تعني الصفة وثباتها فيه وأزليتها، وسرمديتها، فقد اجتمع القسم، و(واوه)، والتخصيص في استعمال الكاف، واللام المزحلقة، والواقعة في جواب القسم، وتنكير كل من (خلق، وعظيم)، ومجيء(عظيم) صفة مشبهة نكرة، كل ذلك بين خير بيان مكانة الرسول الكريم عند ربه، منزلته عند مولاه، وإلهه، وهو أمر جديد في دنيا العرب، لا يعلمونه من قبل.
ومنه قوله تعالى:(وإِنَّه لَذِكرٌ لَكَ وَلِقومِكَ، وَسَوفَ تَعلَمون)، هنا التوكيد يحمل معنى التهديد والوعيد، وقد دخلت واو القسم، وحذف المقسم به للعلم به، وإنَّ، واللام المزحلقة، والتخصيص في (لك)، وإعادة الجار (ولقومك)، وحرف التسويف من المؤكدات في اللغة العربية، فقد لفت القرآن الكريم أنظار المسلمين إلى أن القرآن الكريم من تمسك به رفعه، وجعل له مكانة سامية، ومنزلة عالية، وإنهم مسؤولون عن كل ما فيه، وعن نشره في ربوع الأرض، وأن من أخذه بحقهن ونهض له، ولنشره فهو مرفوع الذكر، مشمول بالنزلة ورفعة القدر، وأنهم سوف يسألون لا محالة عنه، وعما فعلوه تجاهه، وتجاه نشره، والذود عنه، ونشره في العالمين.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية