أيها القراء المؤمنون.. ونستكمل معًا ونتطلع لندرك شيئًا من مكانة رسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) الذي بلغ غاية الكمال الأخلاقي والجمال الخلقي والتكريم الإلهي، وقد بيَّن لنا رب العزة تبارك وتعالى أنه امتنَّ علينا بأن أرسله إلينا، بل وامتنَّ على الناس كافة بمولده ورسالته (صلى الله عليه وسلم) قال تعالى: لَقَد مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلمُؤمِنِينَ إِذ بَعَثَ فِيهِم رَسُولا مِّن أَنفُسِهِم يَتلُواْ عَلَيهِم ءَايَتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلكِتَبَ وَٱلحِكمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبلُ لَفِي ضَلَل مُّبِينٍ (آل عمران ـ 164)، وأكد سبحانه أنه (صلى الله عليه وسلم) رحمة مهداة للناس ونعمة مسداة للعالمين فقال عز من قائل: وَمَا أَرسَلنَكَ إِلَّا رَحمَة لِّلعَالَمِينَ (الأنبياء ـ 107)، ولنتأمل ـ أيها الأحباب ـ كتاب ربنا لنرى كيف خاطب الله سبحانه وتعالى جميع رسله وأنبياءه بأسمائهم مباشرة، فقال لأبينا آدم ـ عليه السلام ـ مخاطبًا إياه بقوله: وَقُلنَا يَا آدَمُ ٱسكُن أَنتَ وَزَوجُكَ ٱلجَنَّةَ وَكُلَا مِنهَا رَغَدًا حَيثُ شِئتُمَا وَلَا تَقرَبَا هَذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ (البقرة ـ 35)، وها هو سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ يقول الله تعالى له: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِن أَهلِكَۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِح فَلَا تَسـلنِ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلجَهِلِينَ (هود ـ 46)، وخاطب سبحانه خليله إبراهيم ـ عليه السلام:يَاِ إبرَهِيمُ أَعرِض عَن هَذَا إِنَّهُ قَد جَاءَ أَمرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُم ءَاتِيهِم عَذَابٌ غَيرُ مَردُود (هود ـ 76)، وها هو سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ وهو كليم الله يناديه سبحانه بقوله: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي ٱصطَفَيتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالَتِي وَبِكَلَامِي فَخُذ مَا ءَاتَيتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ (الأعراف ـ 144)، كما خاطب سبحانه وتعالى نبيه داود ـ عليه السلام ـ بقوله: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَة فِي ٱلأَرضِ فَٱحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ بِٱلحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُم عَذَاب شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَومَ ٱلحِسَابِ (ص ـ 26)، وها هو سيدنا زكريا وابنه يحيى ـ عليهما السلام ـ يخاطبهما الحق سبحانه بقوله: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ ٱسمُهُ يَحيَى لَم نَجعَل لَّهُ مِن قَبلُ سَمِيّا (مريم ـ 7)، وبقوله ليحيى ـ عليه السلام: يَا يَحيَى خُذِ ٱلكِتَبَ بِقُوَّة وَءَاتَينَاهُ ٱلحُكمَ صَبِيّا (مريم ـ 12)، وها هو سيدنا عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم ـ عليهما السلام ـ يخاطبه الله تعالى بقوله: إِذ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى ٱبنَ مَريَمَ ٱذكُر نِعمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلمَهدِ وَكَهلا.. (المائدة ـ 110)، ويخاطب أمه مريم على لسان ملائكته فيقولون لها وهم يبشرنها بأنّ الله تعالى سيجعلها أمّا لعيسى: وَإِذ قَالَتِ ٱلمَلَائِكَةُ يَا مَريَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ ٱلعَالَمِينَ (آل عمران ـ 42)، لكن الخطاب في القرآن كان لرسولنا العظيم (صلى الله عليه وسلم) بأسمى آيات التمجيد وأجمل درجات التكريم وأعلى مكانة في التعظيم فقال له: يَأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلكُفرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفواهِهِم وَلَم تُؤمِن قُلُوبُهُم... (المائدة ـ 41)، وقال له أيضًا: يَأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلمُؤمِنِينَ (الأنفال ـ 64)، وقد امتد هذا التكريم لأزواجه أمهات المؤمنين، ولأصحابه وأتباعه لا يتسع المقام للتوسع بذكر كل هذا، وأكتفي بمثال واحد فقط، فأمّا عن أصحابه وأتباعه فقال سبحانه: لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ... (التوبة ـ 117)، وفي خطابه سبحانه لأزواج النبي (صلى الله عليه وسلم) تشريفًا وتعظيمًا لهن به، حيث أضافهن له فقال جل جلاله يَا نِسَاءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَة مُّبَيِّنَة يُضَاعَف لَهَا ٱلعَذَابُ ضِعفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرا (الأحزاب ـ 30)، وليبين سبحانه لنا هذه المكانة الرفيعة السامية والدرجة العالية من التكريم والتعظيم، أمرنا بالأدب في التعامل مع شخصه الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم: يَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرفَعُواْ أَصوَتَكُم فَوقَ صَوتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجهَرُواْ لَهُ بِٱلقَولِ كَجَهرِ بَعضِكُم لِبَعضٍ أَن تَحبَطَ أَعمَلُكُم وَأَنتُم لَا تَشعُرُونَ (الحجرات ـ 2)، فهنيئا لنا برسول الله (صلى الله عليه وسلم).
د.محمود عدلي الشريف