وقَّعت مؤخرًا شركة «أوتك»، الذراع التقنيَّة لشركة «عُمانتل»، اتفاقيَّة تعاون مع شركة «ريمدي» لإطلاق منصَّة مؤسَّسيَّة متقدِّمة لدعم التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأداء المؤسَّسي باستخدام تقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي. هذا التعاون يحمل دلالةً اقتصاديَّة وتقنيَّة وتسويقيَّة أكبر من مجرَّد إطلاق منصَّة رقميَّة؛ فهو يجمع بين شركة تقنيَّة تابعة لـ«عُمانتل» وشركة ناشئة محليَّة لتحويل الابتكار العُماني إلى حلٍّ مؤسَّسي قابل للتطبيق والتوسُّع، ممَّا يُسهم في مردود اقتصادي يُلقى أثره على المدى القريب والمستقبلي؛ لأن التحوُّل من دعم الشركات الناشئة إلى شراء منتجاتها وتطبيقها هو الأهم، حيث إن «أوتك» لا تكتفي بدعم «ريمدي» كشركة ناشئة، بل ستعمل على تطبيق منصَّة «رايز تالنت» داخل منظومتها. وهذا نموذج مهمٌّ؛ لأن أحَد أكبر تحدِّيات الشركات الناشئة هو الانتقال من مرحلة الفكرة إلى عميل مؤسَّسي فعلي، بما تعنيه من مراحله التطبيقيَّة. بالإضافة إلى أن الذَّكاء الاصطناعي يدخل قلب الإدارة، وليس فقط العمليَّات، مع الوضع في الاعتبار أن المنصَّة تستخدم الذَّكاء الاصطناعي في تحليلات الموارد البشريَّة والأداء، بما يسمح للمؤسَّسة بالانتقال من الإدارة التقليديَّة إلى إدارة تعتمد على البيانات والتنبُّؤ واتِّخاذ القرار الذَّكي؛ بحيث تكون النتائج أسرع وأدقَّ وأكثر فائدة، والتَّماشي مع أحدَث السُّبل العلميَّة لفنِّ الإدارة الرقميَّة. بل إن بناء المحتوى المحلِّي يخرج من إطاره المحلِّي لِيصبحَ قابلًا للتصدير في حال نجاح المنصَّة، كما هو متوقع، داخل مؤسَّسات سلطنة عُمان؛ لأن القِيمة الحقيقيَّة ستكون في إمكانيَّة تطويرها لِتصبحَ منتجًا تقنيًّا يُسوَّق في أسواق الخليج والمنطقة. وهنا، يتحول المحتوى المحلِّي من خدمة للسوق العُماني إلى منتج رقمي قابل للتصدير.
اللافت هنا أيضًا أن المنصَّة لا تتعامل مع الموارد البشريَّة بصورة منفصلة، بل تربط الأهداف الاستراتيجيَّة للمؤسَّسة بالمستويات التنظيميَّة، ثم بالكفاءات والتوظيف والتدريب والأداء والمسارات الوظيفيَّة. وهذا ـ في مجمله ـ يعالج مُشْكلةً شائعةً في المؤسَّسات، ألا وهي وجود استراتيجيَّة جيِّدة، لكنَّها لا تتحول إلى أهداف وأداء قابل للقياس على مستوى الموظف، ممَّا يتيح خلق سوق جديد للاقتصاد الرقمي العُماني. فعندما تدخل الشركات الكبرى والمؤسَّسات الحكوميَّة والخاصَّة في تَبنِّي حلول الشركات الناشئة، فإنها تخلق سلسلةً اقتصاديَّة كاملةً تتمثل في شركة ناشئة، بالإضافة إلى المنتج التقني والعميل المؤسَّسي، والبيانات والخبرة، وتطوير المنتج، وأسواق جديدة، ووظائف واستثمارات تقنيَّة. كما أن الأهميَّة المضافة تكمن في أن هذه الشراكة يمكن أن تكون نموذجًا لِمَا تحتاجه الرؤية المستقبليَّة «عُمان 2040» في الاقتصاد الرَّقمي، على ألَّا يكون الابتكار مجرَّد حاضنات ومسابقات وتمويل، بل أن يصل إلى مرحلة المنتج الذي تشتريه المؤسَّسات وتستخدمه وتطوِّره، ثم يمكن تصديره. وبعبارة اقتصاديَّة مختصرة وأكثر توضيحًا، فإنها تترجم أو تُمثِّل القِيمة الحقيقيَّة التي لا تختصر في أن تمتلك عُمان شركات ناشئة كثيرة، بل في أن تستطيع تحويل شركاتها الناشئة إلى شركات تملك منتجات تقنيَّة تنافسيَّة وقابلة للتوسُّع خارج السوق المحلِّي. وهنا، تحديدًا، تبدو شراكة «أوتك» و«ريمدي» خطوةً عمليَّة في هذا الاتِّجاه. وبطبيعة الحال، فإن نجاح هذه الشراكة سيولِّد مبادرات جديدة لشراكات جديدة تعود بالعديد من الفوائد، تتمثل في المردود التقني والعلمي والاقتصادي والتسويقي داخل سلطنة عُمان وخارجها؛ لِنتحولَ إلى تحويل الابتكار العُماني إلى حلٍّ مؤسَّسي قابل للتطبيق والتوسُّع.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »