من الاعتقادات الخاطئة التي ما زالت تتحكم بأولويَّات الرأي العام المُجتمعي أن الحصول على الوظيفة الحكوميَّة هو الوسيلة الوحيدة لتأمين الدخل المالي الأهم، وبالتَّالي ضمان المستقبل.
• المؤسف أن هذه الاعتقادات ما زالت تحتل الصدارة في قناعات الناس في أغلب البُلدان النَّامية، مع تصاعد حركة النزوح من الأرياف إلى المُدن، وتكوين أحزمة سكانيَّة ضاغطة، والدخول في انتظارات غالبيَّتها غير مُجدية لتحقيقِ ذلك.
• نحن إذًا أمام صوَر من القناعات العمياء على حساب البحث عن الأعمال الحُرَّة.
• لقد تحوَّلت بعض أنواع البطالة إلى بطرٍ حين يتعلق الأمر بمواقف شباب أتمُّوا تعليمهم، وبقوا معلقين على أمل أن توفِّر لهم حكومات بُلدانهم تلك الوظائف. وهنا يكمن الخطأ الجسيم؛ إذ لا يمكن لأيِّ حكومة ـ مهما تعدَّدت إمكاناتها ـ أن تكون غطاءً لهذا النوع من المطالب، إلَّا إذا تحوَّلت إلى مجرَّد جمعيَّة خيريَّة، وليس مؤسَّسات إداريَّة بمناهج تتوخَّى تنفيذ كل السياسات المناطة بها.
• على أيِّ حال، لا يستقيم فَهْم دالة البحث عن فرص عمل وتوفير وظائف إلَّا من خلال الاعتبار الاجتماعي العام أن فرص العمل الحُر لا تقلُّ أهميَّة من الوظيفة الحكوميَّة، من دون أن تتخلى الحكومة عن واجباتها في تكوين منصَّات لوجستيَّة لإنشاء بيئة استثماريَّة أهليَّة، من خلال تقديم التسهيلات الاستثماريَّة، وتيسير مسوَّدات مشاريع عمل، مع ضخٍّ إعلامي تحفيزي للتشجيع على هذا المنهج.
• لقد كانت لي متابعات شخصيَّة في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ولاحظتُ وجود ضعف هيكلي في قناعات المُجتمع العراقي إزاء ذلك، لكن الأمر بدأ يتغيَّر تدريجيًّا لصالح التفكير بالأعمال الحُرَّة، خصوصًا بعد بروز عيِّنات ناجحة منها.
• لِنقتربَ أكثر من مهمَّة تنشيط هذه التوجُّهات، والتخلِّي عن الانتظارات السَّائبة التي لا طائل تحتها.
• علينا أن نتوقف عند مهمَّات المدارس والكليَّات المعنيَّة بالأعمال التطبيقيَّة، بل وحتى عند المراكز البحثيَّة، من زاوية ضخِّ المزيد من المعارف والمعلومات عن الجدارة البنيويَّة للعمل الاستثماري الحُر، والتعريف بالفرص المضمونة، مع السعي لطرح وسائل إيضاح من الواقع نفسه.
• إنَّ هناك العديد من نماذج العمل الحُر يصلح للاقتداء بها في الدول الناشئة حصريًّا، بل إن بعض دول البريكس قد حققت إنجازات نوعيَّة على هذا الطريق، خصوصًا في الهند وجنوب إفريقيا. أمَّا الأسبق، فهناك تجارب ناجحة لافتة في الدول الإسكندنافيَّة (السويد والدنمارك والنرويج).
• بخلاصة تأسيسيَّة، محرِّكات العمل التنموي الحُر تتطلب وجود معارف متاحة على أرض الواقع، ويكون ذلك من مسؤوليَّة النُّخب المعرفيَّة ووسائل الثقافة، مع استحداث مراكز تدريبيَّة وإرشاديَّة تتولى التثقيف والتدريب لتأسيس ما يُعرف بدليل الفرص، وتوفير تسهيلات مصرفيَّة في التسليف والاسترداد والجدولة والخصم والمقاصَّات، واستحداث جهات استشاريَّة تتولى تقديم العون المعرفي وقت الحاجة، والتصدِّي لكل مظاهر الاحتكار والهيمنة.
• إنَّ التشجيع على تقديم تسهيلات أكثر، وتكوين مفاتيح للربط المنفعي المتبادل، يُمثِّل هو الآخر محرِّكًا إضافيًّا على هذا الطريق. وإزاء ذلك، يظل اعتماد محطَّةٍ واحدةٍ لإنجاز معاملات الانخراط في هذه الأعمال الأسبقيَّة اللازمة في التسهيلات التي تُقدَّم.
• على صعيد الواقع التنموي العربي العام، ما زالت غالبيَّة البُلدان العربيَّة تعاني تعثُّرًا بأهميَّة العمل التنموي الحُر، وهذا ـ في اعتقادي ـ أحَد الأسباب الأساسيَّة لتفاقم ظاهرة البطالة بمعدَّلات قياسيَّة. بل إن ذلك واحدٌ من تفاقمات التلوُّث البيئي، إذا أخذنا بالتشخيص الذي يرى وجود تكامل بين ارتفاع معدَّلات البطالة وتفاقم التلوُّث. ولنا عن هذه الإشكاليَّة رأيٌّ موسَّع سنتطرق إليه لاحقًا.
عادل سعد
كاتب عراقي