هناك أخبار نقرؤها ثم نمضي.. وهناك أخبار تتوقف عندها الكلمات في الحلق ويصبح من الصعب أن نقلب الصفحة وكأن شيئًا لم يكُن.. وحادث سمائل المروري الذي وقع مساء الجمعة الماضي ـ على سبيل المثال ـ واحد من تلك الأخبار التي لا ينبغي أن تمرَّ علينا مرور الكرام.. مع رحيل ستة أشخاص وإصابة ثمانية عشر بينهم ثماني حالات حرجة.. أي أُسر كثيرة استيقظت على وجع لم تكن تتوقعه وبيوت تغيَّر فيها كل شيء في لحظة واحدة.
في مثل هذه اللحظات لا يصبح الحديث عن حادث مروري مجرَّد حديث عن مَركبات اصطدمت أو طريق شهد مأساة أو أرقام تضاف إلى سجلات الحوادث.. بل نحن نتحدث عن إنسان.. عن أب ربما خرج من منزله ولم يَقُل لأُسرته إنها آخر مرَّة يودعهم فيها.. عن أُم تنتظر عودة ابنها.. عن أبناء كانوا يترقبون طَرق الباب.. عن زوجة لم تكُن تعرف أن مكالمة هاتفيَّة واحدة يمكن أن تقلب حياتها رأسًا على عقب.. عن مقعد في بيت سيظل شاغرًا.
والسؤال الثقيل الذي يفرض نفسه: كيف نمنع أن تتكرر المأساة؟
تقول البيانات الرسميَّة غير المدقَّقة الصادرة عن هيئة الخدمات الماليَّة إن شركات التأمين سجَّلت خلال عام (2025) نحو (75.3) ألف حادث مروري مقارنة بنحو (75.2) ألف حادث في عام (2024).. قد يبدو الفارق بسيطًا بارتفاع بنسبة (0.1) بالمئة فقط.. لكن الأرقام تصبح أكثر إثارة للقلق عندما نتوقف عند طبيعة هذه الحوادث.. فهناك حوادث بسيطة وأخرى جسيمة ارتفعت بالفعل بنسبة (13.2) بالمئة مقارنة بعام (2024).. ممَّا يثير تساؤلًا مهمًّا: لماذا أصبحت نسبة الحوادث الجسيمة أعلى؟
إنَّ الحادث البسيط قد يكون مجرَّد أضرار ماديَّة يمكن إصلاحها.. أمَّا الحادث الجسيم فقد يعني إنسانًا فقَدَ حياته أو جسدًا أصيب بعاهة.. لهذا فإن ارتفاع الحوادث الجسيمة ليس مجرَّد رقم في تقرير.. بل هو جرس إنذار.
عندما يقع حادث كبير يميل الإنسان بطبيعته إلى البحث عن سبب واحد.. فإمَّا نلوم السائق أو الطريق أو الشاحنة أو السرعة أو الإطارات أو الإضاءة.. لكن الحقيقة أن الحوادث المروريَّة الكبرى غالبًا ما تكون نتيجة تداخل عوامل متعدِّدة تتشابك فيها الإنسان مع المَركبة مع الطريق مع السرعة مع الحمولة مع الطقس والظروف المحيطة مع الرقابة مع الوعي.. وأحيانًا يكون الخطأ الصغير كافيًا لإحداث مأساة كبيرة عندما تتجمع حوله عوامل أخرى.. ولهذا فإن البحث عن كبش فداء قد يكون أسهل من البحث عن الحقيقة.
أمَّا المطلوب فهو شيء أصعب، وهو أن نبحث عن السَّبب، وأن ننتظر نتائج التحقيق الرَّسمي في حادث سمائل ثم نسأل بموضوعيَّة ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وأين كانت نقطة الخلل؟ وهل كان يمكن منع ما حدث لو تمَّ اتخاذ إجراء معيَّن في الوقت المناسب؟.. والإجابة على هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تنقذ حياة إنسان آخر.
نحن ندرك تمامًا أن الشاحنات ضرورة اقتصاديَّة ومسؤوليَّة مضاعفة.. ولا يمكن أن نتحدث عن الطُّرق من دون أن نتحدث عن الشاحنات.. فالشاحنة ليست عَدُوًّا للطريق، بل هي جزء أساس من حركة الاقتصاد، فهي التي تنقل المواد الغذائيَّة ومواد البناء والمنتجات والمعدَّات وتربط المُدن والموانئ والمناطق الصناعيَّة والأسواق.. لكن كلَّما كبرت المَركبة وكبرت حمولتها كبرت معها مسؤوليَّة الالتزام بالسَّلامة.. ولهذا فإن السؤال حول أوزان الشاحنات وأبعاد حمولاتها وسرعاتها وحالتها الفنيَّة وساعات قيادتها ومدى ملاءمة بعض الطُّرق لحركتها ليس سؤالًا هامشيًّا، إنما هو سؤال يتعلق مباشرة بحياة الناس.
لا شك أننا نحتاج إلى رقابة ترى قَبل أن تقع الكارثة.. فالرقابة الحديثة يجب أن تكون استباقيَّة بأن نعرف أين تقع الحوادث أكثر؟ ومتى تقع؟ ومَن يرتكب المخالفات الخطرة؟ وأين تتكرر التجاوزات؟ وأيّ الطُّرق تشهد كثافة عالية للشاحنات؟ وأين تتكرر الحوادث الجسيمة..؟ خصوصًا أن التقنيَّة اليوم تمنحنا أدوات لم تكُن متاحة في السابق من خلال كاميرات ذكيَّة وأنظمة رصد السرعة وتحليل البيانات، ومراقبة الحمولات، وأنظمة تتبع وخرائط للنقاط السوداء.. والتحدِّي الحقيقي ليس امتلاك التقنيَّة، وإنما حُسن استخدامها وتوجيهها إلى الأماكن والأسباب التي تصنع الخطر فعليًّا.. فمن المؤلم أن نكتشف أحيانًا خطورة موقع ما بعد وقوع سلسلة من الحوادث فيه.
إنَّ السَّلامة المروريَّة لا ينبغي أن تكون سياسة ردِّ فعل.. فالوقاية أرخص دائمًا من الفاجعة.. وأبسط إجراء وقائي يمكن أن يبدو مكلِّفًا قَبل وقوع الحادث، لكنَّه يصبح رخيصًا جدًّا عندما نقارنه بثمن روح واحدة.
قد يحصل الإنسان على رخصة القيادة، لكنَّه لا يحصل معها تلقائيًّا على الحكمة.. وقد يعرف قوانين المرور، لكنَّه لا يلتزم بها دائمًا.. وقد يعرف أن السرعة خطرة ثم يضغط على دواسة الوقود.. وقد يعرف أن التجاوز في مكان معيَّن خطر ثم يتجاوز.. لهذا فإن الثقافة المروريَّة لا ينبغي أن تنتهي عند استخراج رخصة القيادة.. فنحن بحاجة إلى تعليم مستمر وتدريب دوري، وإعادة تأهيل، خصوصًا للسائقين الذين يقودون المَركبات الثقيلة.. فالسائق المحترف لا ينبغي أن يقاس بعدد السنوات التي أمضاها خلف المقود فقط، وإنما بمدى التزامه وكفاءته وقدرته على التعامل مع المخاطر.
كم من حادث هزَّنا لأيَّام ثم عُدنا إلى حياتنا الطبيعيَّة.. وهنا تكمن المُشْكلة.. في حين يجب العمل على أن نمنع الحادث أو نقلل احتمال وقوعه، ونحمي مَن لا يزالون على الطريق.. وهذا هو الاختبار الحقيقي.
رحم الله ضحايا حادث سمائل، وربط على قلوب أُسرهم وذويهم، وشفى المُصابين، وحفظ أبناء عُمان وكل مَن يستخدم طُرقها.
ناصر بن سالم اليحمدي
كاتب عماني