الأربعاء 02 سبتمبر 2026 م - 20 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الإجازة الصيفية والمجتمع الوظيفي: استنطاق الأفكار واستنهاض العطاء.. كيف نصنع التغيير؟

في العمق : الإجازة الصيفية والمجتمع الوظيفي: استنطاق الأفكار واستنهاض العطاء.. كيف نصنع التغيير؟
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 02:54 م

د.رجب بن علي العويسي

150

تُمثِّل الإجازة الاعتياديَّة الوظيفيَّة للعاملين في الجهاز الإداري للدولة في فصل الصيف، والتي تتزامن مع الإجازة الصيفيَّة لطلبة المدارس وبعض مؤسَّسات التعليم العالي، فرصةً مهمَّةً لتغيير نمط الروتين الوظيفي في العمل، وإعادة برمجة الواقع الوظيفي بما يضيفه من لمسات التجديد لحياة الموظف وقِيَم الوظيفة العامَّة؛ في ظل الرصيد اليومي الناتج عن الإجازة، وما حملته من متعة السفر، وفرصة الاطلاع على حياة الشعوب وثقافاتها وأساليبها في إدارة متطلبات الواقع، وما أوجده تعدُّد البيئات السياحيَّة وتنوُّعها في النفْس من مساحات الرضا والإيجابيَّة والاستمتاع، وغيَّرت الكثير من المفردات والمفاهيم السلبيَّة التي رافقت الموظف حول نفسه ومهامه والمسؤول المباشر عنه أو قيادة المؤسَّسة بشكل عام، وجملة المفردات الحياتيَّة التي ارتبطت بفلسفة التغيير، وإعادة هندسة الذَّات وبرمجة العقل الباطني، وتقييم الممارسة اليوميَّة ومراجعة الأدوات والأساليب، وغيرها من المفردات التي يمكن أن يعكسها المواطن على واقعه الوظيفي، لتبقى رصيدًا مهمًّا له، وذاكرةً في قاموس التغيير وفلسفة التصحيح التي يمارسها في معالجة إخفاقات الذَّات، بما يعيد إنتاج مساره الوظيفي القادم.

على أن خصوصيَّة الإجازة الصيفيَّة والفرص المتحققة منها تُمثِّل قِيمة مضافةً في حياة الموظف؛ لذلك يلحظ بأن أغلب الموظفين والمسؤولين في مؤسَّسات الجهاز الإداري للدولة يستغلون هذا الوقت من العام بالخروج في إجازات اعتياديَّة، نظرًا للميزة التنافسيَّة التي تقدِّمها، والأثر الإيجابي الناتج عنها، وارتباطها بإجازة الأبناء الدراسيَّة، الأمر الذي يُسهم في تعظيم مساحة اللقاء والحوار والسفر والتنقل والتنزه برفقة الأُسرة والعائلة، ما يكسب الإجازة قِيمتها وأهميَّتها وأثرها في حياة الموظف وعلاقاته الاجتماعيَّة والأُسريَّة. وبالتالي، أثر رصيد ذكريات الإجازات الوظيفيَّة الصيفيَّة في تغيير الحالة المزاجيَّة للموظف وترقية جانب الشعور المهني لديه، عبر ذكريات جميلة وأحداث مثيرة تحمل في ذاتها حسَّ المغامرة والتحدِّي، بما ينعكس إيجابًا على قناعات الموظف ورغباته واستنطاق مواهبه ومقدراته واهتماماته، وتنقله إلى عوالم مختلفة يستقرئ خلالها منتج الثراء المعرفي والقِيَمي والأخلاقي الذي يحتاجه في تقوية أساليب العمل ومعززات الأداء، وإعادة صناعة الواقع الوظيفي وضبط بوصلة توجهه والانتقال منه إلى مرحلة القوَّة، بحيث يصبح رصيدًا إيجابيًّا داعمًا للإنتاجيَّة، مؤصلًا للكفاءة، تتفاعل فيه مُقوِّمات الشخصيَّة الوظيفيَّة لِتنسجمَ مع ما رصدته العدسة والكاميرا من ثقافات متنوِّعة وأساليب حياة متعددة وأنماط مختلفة، لِتقتربَ بالفرد من مبدأ التغيير الذَّاتي، وتؤصِّل فيه إدارة التطوير وطريقة التفكير في أساليب العمل، وإعادة صياغة لحن التجديد في مفهوم العمل الوظيفي وطريقة أداء المهام، فيعبِّر عنها الموظف في طريقة إدارته لمعطيات الواقع المُتجدِّد له في اختصاصات الوظيفة التي يمارسها، لِيضيفَ إلى بُعدها المهني والإنساني والاجتماعي والوطني أبعادًا أخرى، ولمسات أنقى تستنهض فرص الذَّوق والتقدير والإخلاص التي يصبغها في أداء متطلباتها، ووصولها إلى المستهدفين منها بجودة عالية وبأمانة لا تتدخل فيها ذاتيَّة النفس.

وبالتَّالي، قدرة الموظف على الاستفادة من رصيد ذكريات الإجازات بما تحمله من فرص، وما أسَّسته من قِيَم ومبادئ، وتغيير القناعات وروح التطوير التي ينتجها في صناعة فارق الممارسة، وهو يبدأ مهام عمله بعد عودة وظيفيَّة تحمل في ذاتها معالم القوَّة والنجاح والتغيير، بما يضفيه عليها من حماس العودة وتفاؤليَّة الحديث، وبشاشة الطلة، ورونق الأسلوب، منطلقًا لرسم إطار قادم يتفاعل فيه عن اختيار ورغبة مع متطلباتها، ويستشرف به جودة الأداء، لِيصبحَ تعاطيه مع الوظيفة معادلة قوَّة تعكس جملةً من المعطيات الحياتيَّة، كنتاج لِمَا اكتسبه من معارف وخبرات وتجارب ومواقف سابقة، فيعمل على بَلْوَرتها في سلوكه وتأطيرها في خططه وأجندة عمله اليوميَّة؛ كونها مددًا يستمد منه طاقةً إيجابيَّة نحو التغيير ومعالجة ضغوط العمل، لِتنطبعَ في ممارساته القادمة موجِّهات عمل رصينة يستنطقها لخدمة وطنه وبناء سلوك المواطنة بصدقه في عمله وإخلاصه في أداء الأمانة، والتيسير على الناس وحفظ حقوقهم وحُسن توجيههم ورعاية مصالحهم، وفَهْم جوهر القانون، وإدارة وقت العمل الرَّسمي بفاعليَّة، لِيتجاوزَ منغِّصات الإنجاز ومعطِّلات الأداء، ويمحو من ذاكرته سلوك الإحباط، لِيبدأَ صفحةً بيضاء ناصعةً تحمل نوافذ الأمل وتضيء مصابيح العمل وتتيح للنفس فرص استدراك ما فات من تقصير، فيزيل عنها جانب الذاتيَّة ويضبطها بضابط الالتزام، ويصقلها بالتدريب والاستفادة من المواقف، فتكبر في ذاته قِيمة الإنتاجيَّة، وتعلو في نفسه فضيلة العطاء، وتتلاشى في قاموسه مفردات السلبيَّة والتذمُّر؛ واعيًا لمسؤوليَّاته، يقظًا في تعامله مع مستجدَّات الوظيفة، متفاعلًا مع الظروف والمتغيِّرات بأُسلوب راقٍ، وذَوْق تعلوه حكمة التصرُّف، ونُبْل الخِطاب، ومصداقيَّة الكلمة.

إنَّ الإجازة الوظيفيَّة الصيفيَّة بذلك فرصة لإعادة هندسة الواقع الوظيفي، وصناعة الفارق، وإكساب المُجتمع الوظيفي فرص نجاح مبهرة ومحطَّات تحوُّل تجسِّد عُمق التغيير النَّوعي الذي ينعكس إيجابًا على شكل الممارسة القادمة، التي يتخلى فيها الموظف عن سُلطة الرأي الواحد والأفكار أو القرارات المرتجلة، لِتفتحَ أمام الموظف آفاقًا أوسع من الحدس والفراسة واستشعار حجم المعرفة المتحققة من المواقف والخبرات التي اكتسبها من التجارب والمشاهدات، بالشكل الذي يضمن للممارسة الناتجة عنه قوَّةً في الأداء، وتحوُّلًا في السلوك، وجديَّة في المبادرة، ومنهجًا في التعامل، وأريحيَّة في التواصل، وأُسلوبًا مبتكرًا في العمل، والانطلاقة إلى مرحلة جديدة من الابتكار الخلَّاق، والتجديد المعزز بحيويَّة الذَّات ورغبة العطاء، ومنهج التسامي فوق كل محبطات العمل ومثبطات الأداء، لِتكونَ المهام حاضرةً، والمسؤوليَّات منجزةً، والممارسات موجَّهةً، وأساليب العمل مقنَّنةً، تأتي لتحقيقِ المطلوب فعله بشكل يفوق التوقُّعات؛ يعكسها حرص المسؤول الحكومي على مراجعة أساليبه وآليَّات عمله وقراراته، والوقوف على محطَّات الشكاوى والأفكار ووجهات النظر المضادَّة التي تصل إليه، في إطار رغبة المُجتمع الوظيفي بالتغيير، وأن يرقى المسؤول الحكومي بمنطق العمل المسؤول الذي يتجاوز الذاتيَّة وشخصنة الحدث الوظيفي، لِيؤسِّسَ في حياة الموظفين روحًا نضاليَّة عنوانها الانتماء للمؤسَّسة، وعمادها الإخلاص، ومنهجها قَبول الرأي والرأي الآخر، والاعتراف بالقصور في الأداء، سعيًا نحو التكامل والاحترافيَّة والجودة. وعندها تصبح هذه الموجِّهات قوَّةً وظيفيَّة ترفع من سلوك الموظف ودافعيَّته للأداء، ورغبته في الإنجاز وعطائه المستمر.

من هنا، نعتقد بأن تعظيم فرص الاستفادة من الإجازات الوظيفيَّة الصيفيَّة في بناء منظومة الجهاز الإداري للدولة، وترقية فرص النجاح المتحقِّقة منها، واستلهام معطياتها لِتسريَ في سلوك المُجتمع الوظيفي، وتتفاعل أجندتها لِتشكِّلَ صورةً ذهنيَّة أكثر انسجامًا في فصولها وارتباطها وتناغمًا بين مُكوِّناتها وحلقاتها، محطَّة تحوُّل نوعيَّة في ترقية الشعور المزاجي للمسؤول الحكومي وللموظف، ما هو إلَّا انعكاس للحالة النفسيَّة والفكريَّة والترويحيَّة والذوقيَّة التي تعمل الإجازة الاعتياديَّة الوظيفيَّة الصيفيَّة على تحقيقها: خيوطًا ممتدَّةً ومحطَّات متكاملةً لبناء مُجتمع التنمية والمساهمة فيه بفاعليَّة، والدَّفع به إلى بلوغ التميُّز والإجادة، وتفاعلات ترفع من سقف التغيير وفرص الإيجابيَّة. فإن المتوقع أن يكون هذا الاسترخاء والاستراحة فرصةً لتقوية الالتزام، وتجديد بنود العقد، وترقية المبادئ والميثاق الأخلاقي في التزام الموظف مسار التعلم المستدام والتعليم من المواقف، وتعزيز الثقة المُجتمعيَّة، وتأصيل قِيَم العمل والتَّفاني والإخلاص؛ حياةً مهنيَّة تنبض بمشاعل الجِد والمبادرة والأمانة والصِّدق، وترصد على مستوى الإنتاج تحوُّلات تعكس روح الولاء والانتماء، وتعميق مسارات الإنتاجيَّة وقِيمة المسؤوليَّة نحوها.

أخيرًا، فإن العودة إلى الوظائف ليست حالةً اعتياديَّة متكررةً بعد إجازات الصيف، بل محطَّات استراحة في ميدان العطاء والمنافسة، لِتضيفَ في انطلاقتها القادمة نكهات أجمل وميزات أوسع تتناغم مع متطلبات التجديد التي يستكشفها واقع الوظيفة العامَّة، ويصبح الثبات على مبدأ الوفاء للمنجز واحترام ثقافة الإنجاز، وحسّ المبادرة في التطوير، والاستمرار في رصد بدائل التميُّز واغتنام كل الفرص المتاحة، مرتكزات تجد في فضيلة الاستجمام والاستراحة واستغلال الوقت في القراءة والاطلاع والتأمل، وتجريب السيناريوهات طريقها لصناعة مستقبل الإنجاز والاستثمار في المهام والاختصاصات. إنها بذلك مرحلة العدِّ الفعلي في استدراك الأفضل، واستكمال النقص، وإعادة صياغة التجربة، وتعظيم قِيمة الوقت، وتوظيف البدائل، لِتكونَ الإجازة الاعتياديَّة للمسؤول والموظف الحكومي في فصل الصيف عامل بناء وشاهد إثبات على ما يمكن أن تُشكِّله الذكريات والمواقف من رصيد نوعي يعيد رسم خريطة الأداء الوظيفي بصورة تتوافق مع قاموس الإنجاز المطلوب، وتعكس روح الولاء والانتماء، وتؤصِّل مسارات الإنتاجيَّة وقِيَم المسؤوليَّة؛ دروسًا متعلمةً تكتب باحترافيَّة في ميادين العطاء وعرصات المنافسة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]