يُمثِّل الأمن المائي أحَد المرتكزات الأساسيَّة لاستدامة التنمية وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي؛ لِمَا ترتبط به المياه من احتياجات السكَّان، والصحَّة العامَّة، والإنتاج الزراعي والغذائي، والأنشطة الصناعيَّة والعمرانيَّة. وتزداد أهميَّة هذا المرتكز في ظلِّ ما يشهده العالم من تغيُّرات مناخيَّة تؤثِّر في معدَّلات الأمطار، وتكرار موجات الجفاف، وشدَّة الفيضانات، إلى جانب الضغوط المتزايدة على المخزونات الجوفيَّة، وتحدِّيات تداخل مياه البحر، وارتفاع مستويات الملوحة في بعض المناطق الساحليَّة. ومن هذا المنطلق، تكتسب التوصيات الصادرة عن ندوة «استدامة الموارد المائيَّة: المياه وتغيُّر المناخ»، التي نظَّمتها وزارة الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه في صلالة، أهميَّة خاصَّةً؛ لِمَا تضمَّنته من رؤية متكاملة لتعزيز قدرة منظومة الأمن المائي في سلطنة عُمان على التكيُّف مع المتغيِّرات، عبر التخطيط الاستباقي، وتطوير البنية الأساسيَّة، ورفع كفاءة إدارة الموارد المتاحة.
ولعلَّ الخطوة المحوريَّة في المسار تتمثل في الانتقال من التعامل مع المخاطر المائيَّة بعد وقوعها إلى بناء منظومة قادرة على استشرافها والاستعداد لها، وهو ما يستدعي الإسراع في اعتماد الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للتكيُّف مع التغيُّر المناخي، وتحديد المناطق الأكثر تعرُّضًا للجفاف والفيضانات والملوحة، وتطوير شبكات الرَّصد الهيدرولوجي والهيدرومتري وربطها بمنظومة وطنيَّة موحَّدة للبيانات، إلى جانب تحديث خرائط مخاطر الفيضانات، وتحديد حرم الأودية، واعتمادها مرجعًا أساسًا في التخطيط العمراني واختيار مواقع المشروعات التنمويَّة. كما يُشكِّل التقييم الدَّوري للسُّدود القائمة، ورفع كفاءة تشغيلها وصيانتها وسلامتها، ودراسة الاحتياجات المستقبليَّة منها، مسارًا مهمًّا لتعظيم الاستفادة من مياه الأمطار وتقليل آثار الأنواء المناخيَّة، بما يحفظ الأرواح والممتلكات ويدعم استدامة التجمُّعات السكانيَّة والأنشطة الاقتصاديَّة.
ويتطلب تحقيق الأمن المائي كذلك تعظيم القِيمة المتحققة من كل وحدة مياه، عبر رفع كفاءة الاستخدام، والحدِّ من الفاقد، وتطوير الممارسات الزراعيَّة، والتوسُّع في أنظمة الريِّ الحديثة، وصولًا إلى قياس الإنتاجيَّة الاقتصاديَّة والغذائيَّة للمياه بدلًا من الاكتفاء بقياس الكميَّات المستهلكة. فاستدامة الموارد ترتبط بقدرة القطاعات المختلفة على إنتاج قِيمة أكبر بموارد أقلَّ، مع المحافظة على التوازن بين الاحتياجات الحاليَّة وحقوق الأجيال المقبلة. ويأتي تنويع مصادر المياه وتعزيز التكامل بين المصادر التقليديَّة وغير التقليديَّة ضمن الأولويَّات القادرة على تقليل الاعتماد على مصدر واحد، ورفع جاهزيَّة المنظومة لمواجهة فترات الجفاف والظروف المناخيَّة الاستثنائيَّة، بالتوازي مع تطوير نماذج علميَّة للمخزونات الجوفيَّة، والحدِّ من استنزاف الأحواض التي تعاني من ضغوط مائيَّة.
إنَّ بناء منظومة مائيَّة مَرِنة يتطلب تكامل الجهود المؤسَّسيَّة والبحثيَّة والمُجتمعيَّة، وتسريع التحوُّل الرَّقمي من خلال الاستفادة من الاستشعار عن بُعد، ونُظُم المعلومات الجغرافيَّة، وإنترنت الأشياء، والبيانات الضَّخمة، والذَّكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب، ورصد الفاقد، وتحليل المخاطر، مع توفير بيانات محوكمة ومتاحة تدعم الحكم الفنِّي وصناعة القرار. كما يستدعي الأمر تخصيص موارد ماليَّة مستدامة للمشروعات ذات الأولويَّة، وتشجيع البحث والابتكار، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي وتبادل الخبرات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص والمُجتمعات المحليَّة. ويبقى الوعي المُجتمعي عنصرًا لا غنى عنه في ترشيد الاستهلاك، وحماية الموارد، والالتزام باشتراطات السَّلامة من مخاطر الأودية والسيول؛ فالأمن المائي مسؤوليَّة وطنيَّة مشتركة، ونجاحها يقاس بقدرة سلطنة عُمان على تحويل التحدِّيات المناخيَّة إلى سياسات ومشروعات وممارسات تَضْمن استدامة المياه واستمرار مَسيرة التنمية.