الأربعاء 02 سبتمبر 2026 م - 20 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. إتيكيت اللقاءات الصحفية والإعلاميّة «2»

فن الدبلوماسية .. إتيكيت اللقاءات الصحفية والإعلاميّة «2»
الثلاثاء - 01 سبتمبر 2026 02:51 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

160

تطرَّقنا بالمقال السابق إلى الفروقات بين الإعلامي والصحفي، وكذلك إلى بعض المفردات بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت باللقاءات الصحفيَّة والإعلاميَّة، ومدى أهميَّة كاريزما الشخص بإيصال الرسالة المطلوبة للجمهور من خلال مفردات هذا اللقاء.

تتسابق وتتفاخر أيضًا المدارس الدبلوماسيَّة والإعلاميَّة في آنٍ واحد بإشراك الكادر الإعلامي في حلقات خاصَّة ومركَّزة لصقل وتطوير مهارات إتيكيت اللقاءات الصحفيَّة والإعلاميَّة. ويبدأ الاهتمام بمدارس ونظريَّات عِلم النفْس ولُغة الجسد والفراسة من قِبل الكادر الإعلامي. وقَبل هذا وذاك معرفة الطرف الآخر أو الضيف من حيث منصبه وتاريخه الإعلامي إن وجد، بالإضافة إلى السِّيرة الذاتيَّة له. فعلى سبيل المثال، أغلب لقاءات الرئيس ترامب، عندما يسأله الإعلامي بسؤال محرج أو متداخل بالمعلومات، نرى الضيف (الرئيس ترامب) يتَّهم المراسل أو الإعلامي بأن وكالته تنشر أخبارًا مزيفة، وأنه غير مرحَّب به بهذا المؤتمر، مع العِلم بأن الدائرة الإعلاميَّة في البيت الأبيض لا تدعو إلَّا الجهات والوكالات الإعلاميَّة الرصينة وذات تاريخ إيجابي جدًّا مع أهداف البيت الأبيض، مهما كان اسم هرم الحكومة. ومن ناحية ثانية، نرى حِرفيَّة الإعلامي بأنه يكرر السؤال بطريقة هادئة، طالبًا من الرئيس الإجابة عن السؤال، بينما نرى الرئيس ترامب يتهرب من الإجابة، ويتَّهم الجهة الإعلاميَّة بكلمات وصفات غير صحيحة ودقيقة، وتكاد تكون سيئة في بعض الأحيان، بينما الصحفي لا يرد عليه. وهنا تأتي حِرفيَّة الإعلامي الذي يحافظ على هدوئه وسكونه، ويترك القرار لوكالته الإعلاميَّة بالردِّ قانونيًّا على الرئيس؛ لأنه اتَّهمها بصفات غير صحيحة.

من هنا تُدرس صفات ونظريَّات عِلم النفْس الاجتماعي بكيفيَّة التعامل مع الآخرين؛ لأن هناك (8) أنماط للشخصيَّة، وأهمها: (المتعاونة، الهادئة، المراوغة، المشاكسة، المحنكة والحِرفيَّة، الكلاسيكيَّة...) وغيرها. لذلك، على الإعلامي أن تكون لديه خلفيَّة ممتازة عن الضيف أو الطرف الآخر؛ لكي لا يقع في مأزق لا تُحمد عقباه. هناك أسئلة مبطنة ذات رسائل محدودة المعالم، ومن خلال ردِّ فعل الضيف يمكن استنتاج الجواب. لذلك، الكليَّات المتخصِّصة بالإعلام تسعى دائمًا إلى تهيئة كوادر ذات كفاءة عالية بمقابلة شخصيَّات ذات باع طويل بالسياسة والقيادة، تجنبًا لأيِّ إحراج في الإجابة أو الخروج عن أهداف وجوهر اللقاء، بالإضافة إلى ما ذُكر سابقًا بضرورة الالتزام الكامل بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت الحكومي، وأهمها: الهندام الخارجي، والثقة بالنفْس، ومستوى نبرة الصوت، وتسلسل الأفكار والأسئلة، والابتعاد عن جوهر اللقاء والتحوُّل إلى الأسئلة الشخصيَّة، ومراجعة الأسئلة والأرقام إن وجدت مع المسؤولين قَبل المقابلة. كما تُؤكِّد المدارس الدبلوماسيَّة البريطانيَّة على إتيكيت الجلوس والمشي ولُغة الجسد وعدم رفع اليدين، وكذلك عدم وضع الأرجل فوق بعضها بعضًا، وعدم ارتداء ملابس مبالغ فيها، وكذلك الذهب والإكسسوارات بالنسبة للصحفيَّات، بل وحتى تُؤكِّد على حجم الحقيبة ولون الأظافر، وإتيكيت التحيَّة والمصافحة والتعارف وتبادل بطاقة العمل (Business Card)، والتي أيضًا لهذه البطاقة إتيكيت خاص بها، وأهمُّه أن تحمل شعار الجهة فقط، وتجنُّب وضع عَلَم الدولة أو ألوان العَلَم أو أيِّ شيء سيادي لعدَّة اعتبارات. وعلى المراسل أو الإعلامي عدم الذهاب أو إجراء أيِّ مقابلة ما لم تكُن لديه هذه البطاقة، ويُمنع تبادل البطاقة مع كبار الشخصيَّات أثناء المقابلة إلَّا إذا طُلبت منه. ومن المتطلبات كذلك: مهارة استخدام فن الاستماع والإنصات والمناقشة، وعدم مقاطعة الضيف إلَّا بعد الانتهاء من الإجابة، واستخدام المهارات وفنِّ الدبلوماسيَّة لتجنُّب التهرب من جوهر السؤال، والتحكم عاليًا في الانفعالات، وعدم المزح أو الضحك بصوت عالٍ؛ لأن ذلك يضيع من هيبة الإعلامي والجهة التي يعمل فيها. وعلى الإعلامي المحنَّك أن يترك ردَّ فعلٍ وانطباعًا ممتازًا عن جهته قَبل المغادرة، من خلال تطبيق مفاهيم البروتوكول والإتيكيت الإعلامي، وعدم انتقاد الضيف أو الطرف الآخر بسبب تأخيره عن الوقت أو لأيِّ ظرف آخر، والاستخدام الرَّاقي في اختيار كلمات وجُمل دبلوماسيَّة أثناء المحادثة، وطُرق وأُسلوب الأسئلة، مثل: (إذا تسمح لي؛ وافر شكري على هذه المعلومة التي أدليت بها؛ أعبِّر عن امتناني لهذا اللقاء الذي سوف يضيف لي الكثير؛ أنا معجب كثيرًا بصراحتك ومصداقيَّة المعلومة والتصريح...؛ فعلًا بهذا اللقاء قد أغنيت المستمع وأجبت عن كثير من الاستفسارات المبهمة...)، وغيرها من إتيكيت فنِّ المجاملة وإدارة الحديث واختيار الجمل المدروسة، والابتعاد عن الأحاديث المحظورة، مثل الدِّين والمذاهب والحياة الشخصيَّة والماليَّة والأمور الاستخباراتيَّة والأمنيَّة.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت