منذ سنوات كان يعمل معي في صلالة خبير إنجليزي يدعى «جون لوك»، متخصصًا في التدريب، بينما كانت أسرته تقيم في الشارقة.
وكان الرجل ما إن يحل آخر الأسبوع حتى يحزم حقيبته ويسافر إليهم، ثم يعود إلى صلالة مع بداية أسبوع جديد.
كنت أراه يكرر هذه الرحلة باستمرار، فسألته ذات يوم: لماذا لا تستقدم أسرتك للإقامة معك في صلالة، وتريح نفسك من هذا السفر الأسبوعي؟ ضحك جون وقال عبارة بقيت عالقة في ذاكرتي: «يا أحمد، عندكم لا نجد أماكن ننفق فيها أموالنا! أما في دبي والشارقة وعجمان، فأينما ذهبت تجد شيئًا يجعلك تُخرج محفظتك؛ الخيارات كثيرة، وكل مكان يقدم لك تجربة جديدة».وجدت في كلامه آنذاك شيئًا من المنطق.
كانت ظفار تملك كنزًا هائلًا من الجمال الطبيعي؛ الجبال والعيون والسهول والشواطئ والخضرة والمناخ الاستثنائي، لكنها لم تكن قد نجحت بعد في تحويل كل ذلك الجمال إلى منظومة واسعة من التجارب والخيارات السياحية والترفيهية.
هذا العام تذكرت جون، وتمنيت لو يعود ليرى ظفار اليوم.
سيرى محافظة مختلفة؛ طرقًا واسعة وآمنة تمتد نحو مواقع كانت بعيدة وصعبة الوصول، ومنتزهات ومواقع تراثية وسياحية، ومقاهي ومطاعم وفعاليات وتجارب متنوعة، وسياحة مغامرات واستكشاف، وسياحة مؤتمرات، وخيارات تتسع عامًا بعد عام.
والأهم أن ظفار لم تعد تقدم نفسها باعتبارها «خريفًا» فقط، بل وجهة تمتلك مقومات سياحية متنوعة، وتمنح الزائر أكثر من سبب للقدوم، وأكثر من مكان للزيارة، وأكثر من تجربة تستحق أن تبقى في الذاكرة.
وأصبحت السياحة كذلك بابًا للرزق، ومساحة رحبة للشباب كي يعملوا ويبتكروا ويؤسسوا مشروعاتهم، فتحركت معها قطاعات الإيواء والنقل والمطاعم والمقاهي والتجارة والفعاليات والخدمات، وتحول الموسم السياحي إلى حراك اقتصادي واجتماعي واسع.
وحين نرى اليوم زوارًا من جنسيات لم نكن نألف حضورها في مواسم ظفار، ندرك أن صورة المحافظة بدأت تصل إلى آفاق أبعد، وأن ظفار أصبحت تحجز لنفسها مكانًا متقدمًا على خريطة السياحة الإقليمية.
ومن حقنا هنا أن نقول: شكرًا لبلدية ظفار، ولمكتب محافظ ظفار، ولوزارة التراث والسياحة، ولكل من أسهم بفكرة أو مشروع أو جهد في صناعة هذا التحول.
لقد بدأت الإنجازات تتحدث عن نفسها.
وأتخيل جون لو عاد اليوم وسألته السؤال القديم نفسه، ربما سيضحك ويقول لي: «يا أحمد، المشكلة الآن ليست أين ننفق أموالنا في ظفار، بل كيف نختار بين كل هذه الأماكن!».هكذا تتغير المدن حين تتحول إمكاناتها إلى فرص، وجمالها إلى تجربة، ومقوماتها إلى اقتصاد.
وظفار اليوم تمضي بثقة من جمال الخريف إلى صناعة السياحة، ومن جمال المكان إلى صناعة تجربة متكاملة، ومن موسم ينتظره الناس كل عام إلى وجهة سياحية تستحق أن تُزار وتُكتشف مرة بعد أخرى.
د.أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية