رغم السنوات الطويلة التي قضيتُها في سلطنة عُمان، والزيارات المتعددة التي قمتُ بها إلى نزوى، وما عرفتُه من حارات عُمانيَّة قديمة في عدد من المُدن والولايات، خرجتُ من زيارتي الأخيرة لحارة العقر بانطباع جديد، كأنني أراها للمرَّة الأولى. ورُبَّما يعود ذلك إلى أن الإنسان قد يزور المكان أكثر من مرَّة، ثم يكتشفه حقًّا عندما يحضر إليه وفي ذهنه سؤال مختلف. وبالمناسبة، كنتُ أقرأ قبل هذه الزيارة، التي جاءت مفاجئة ولم أُعِدَّ لها، عن العلاقة بين العمارة والتكوين النفسي والاجتماعي للمُجتمعات. وقد استوقفتني فكرة مؤداها أن الشعوب تضع في مبانيها شيئًا من قِيَمها ومخاوفها وطريقتها في فهمِ الخصوصيَّة والجيرة والأمان، ثم تعود الأماكن فتؤثِّر في سلوك الناس وعلاقاتهم. وظلت الفكرة مسيطرةً عليَّ، حتى وجدتُ في حارة العقر تطبيقًا حيًّا لها، ورأيتُ ما قرأتُه على الورق يخرج أمامي في صورة بيوت متقاربة، وممرَّات ضيِّقة، وأبواب تحفظ أسرار أصحابها، ومجالس تُؤكِّد مكانة الضيف والحوار في حياة المُجتمع.
كنتُ أسير بين بيوت الحارة وأتأمل كيف تشكَّل المكان عبر أجيال متعاقبة، وكيف اجتمعت في تفاصيله احتياجات المناخ والأمان والمعيشة مع منظومة اجتماعيَّة عرفت قِيمة القرب بين الناس، حتى إنني بدأت أتخيَّل حياة الناس في المكان وأنا أسير في دروبه. فتقارب البيوت وفَّر الحماية والظل، ومنح الجيرة حضورًا يوميًّا في حياة السكان، والممرَّات الضيِّقة لم تكُن طرقًا للعبور فحسب؛ فقد صنعت لقاءات طبيعيَّة يصعب أن يمرَّ فيها الإنسان دون سلام، أو سؤال، أو حديث قصير، فيما حفظت الجدران والأبواب خصوصيَّة الأُسرة من دون أن تعزلها عن محيطها. وكشفت المجالس عن مُجتمع يفتح مكانًا للضيف، ويمنح الحوار والشأن العام مساحة داخل بنائه، كما أظهرت علاقة البيوت بالمسجد والسوق ترتيبًا واضحًا للحياة، تتجاور فيه العبادة والعمل والعلاقات الاجتماعيَّة. وشعرتُ بأن الحارة العُمانيَّة القديمة لم تُبنَ على مقاس الجسد، فقد رُوعي فيها احتياج النفس إلى الأمان، واحتياج الإنسان إلى الآخرين، وحق الأُسرة في أن تحيا داخل مُجتمع قريب دون أن تفقد خصوصيَّتها.
أعادتني تلك الزيارة إلى مرحلة بعيدة من حياتي، عندما أجبرتني ظروف الدراسة الجامعيَّة على الإقامة فترةً في القرية التي وُلد فيها والدي، بعدما نشأت في القاهرة وعرفت إيقاعها الصاخب، وشوارعها المزدحمة، وعلاقاتها التي تمرُّ سريعًا وسط حركة لا تهدأ. وكان الانتقال إلى القرية أشْبَه بالدخول في عالم آخر؛ فالناس يعرف بعضهم بعضًا، والبيوت متقاربة، والسَّلام لا يُقال من باب المجاملة، والسؤال عن الغائب مسؤوليَّة يتقاسمها الجميع. وقد أزعجني ذلك في البداية؛ لأن ابن المدينة يرى في معرفة الآخرين تفاصيل حياته نوعًا من التدخل، ثم بدأتُ أفهم أن القرب يحمل وجهًا آخر، يتمثل في أن يجد الإنسان مَن يسأل عنه عندما يغيب، ومَن يطرق بابه عندما يمرض، ومَن يقف إلى جواره قبل أن يطلب المساعدة. وقد استدعت حارة العقر تلك الذاكرة بكل تفاصيلها، وأدركت أن بعض أنماط العمارة تستطيع أن تقرِّب الناس، فيما تدفعهم أنماط أخرى إلى العيش داخل جزر منفصلة. فقد اتسعت منازلنا الحديثة، وارتفعت أسوارها، وأصبحت وسائل الاتصال تختصر العالم، ومع ذلك قد يعيش الجار إلى جوار جاره سنوات دون أن يعرف عنه الكثير.
غادرتُ حارة العقر وأنا أرى أن الحفاظ على الحارات العُمانيَّة القديمة يتجاوز ترميم الجدران والأبواب وتهيئتها لاستقبال الزائرين؛ فالقِيمة الكبرى تسكن في الفلسفة الاجتماعيَّة التي أنتجت المكان، وفي قدرتنا على قراءة هذه الفلسفة والاستفادة منها عند تخطيط أحيائنا الجديدة، من خلال الساحات المشتركة، والممرَّات الآمنة للمشاة، والمجالس والمرافق القريبة، والمساحات التي تسمح للأطفال والكبار باللقاء الطبيعي؛ لأن المُدن لا تُقاس بجمال مبانيها وحده، وتُقاس أيضًا بنوعيَّة الحياة التي تصنعها داخل المباني وفي المساحات الممتدَّة بينها. وقد أكَّدتْ لي زيارتي أن العمارة قادرة على حفظ جانب من ذاكرة الشعوب وشخصيَّتها، وأن الحجارة قد تقول الكثير لمن يمنحها وقتًا كافيًا للحديث. ولهذا لم أخرج من العقر بصوَر لمكان تراثي زرتُه، فقد خرجتُ منها بفهمٍ أعمق للإنسان العُماني، الذي عرف كيف يحمي بيته دون أن يغلقه في وجْه المُجتمع، وكيف يصون خصوصيَّته دون أن يبتعد عن جاره، وكيف يجعل من الحارة بيتًا أكبر يتَّسع للجميع.
إبراهيم بدوي