تطرح الفاجعة المروريَّة المروِّعة في الحادث الذي وقع في شارع السُّلطان ثويني بن سعيد بمنطقة المحل في ولاية سمائل، وأسفر ـ بحسب موقع شُرطة عُمان السُّلطانيَّة في منصَّة X ـ عن (6) حالات وفاة و(18) حالة إصابة، بينها (8) إصابات حرجة، تساؤلات عميقة، وتعيد إلى الواجهة ملف بعض الشاحنات وحمولاتها ومعايير السَّلامة المرتبطة بها، وهو ـ في تقديري ـ لم يكن الالتفات إليه بالشكل المطلوب، رغم هواجس مستخدمي الطريق والحديث عنه في المنصَّات الرقميَّة.
وبعيدًا عن حيثيَّات الحادث الأليم وتفاصيله وتبعاته، فإن الوقوف على مثل هذه الحوادث المروِّعة والمُميتة باتَ ضرورةً وطنيَّة. وما أشارت إليه وزارة النقل والاتصالات وتقنيَّة المعلومات ـ مشكورةً ـ من متابعة لهذا الأمر، هو في الاتجاه الصحيح، وسوف يوفِّر في قادم الوقت معلومات وتوجُّهات أكثر حزمًا ورقابةً. فإن ما تُحدثه مثل هذه الحوادث ـ في هولها ـ من أثَرٍ سيبقى حاضرًا في ذهن مستخدم الطريق، وهو يرى شاحنة أمامه، أو في جانبه، أو في الشَّارع الموازي له. كما أن مثل هذه الحوادث تؤسِّس اليوم لمرحلة جديدة من العمل الوطني، تتَّجه أيضًا إلى ضرورة إعادة تقييم منظومة النقل البَرِّي، وسلامة الطُّرق، وحركة المَركبات الثقيلة، وضبط الحمولات، والتزام بعض الشركات والسائقين بالاشتراطات الفنيَّة والقانونيَّة، ومدى فاعليَّة أدوات الرقابة والردع والتوعية والتدخُّل الوقائي.
إنَّ من بين جملة التساؤلات التي ينبغي أن تكون حاضرة أمام الجهات المعنيَّة بالتخطيط للطُّرق وتنظيم النقل والمرور والسَّلامة المروريَّة: إلى أيِّ مدى تُمثِّل بعض الشاحنات الثقيلة أحد العوامل المؤثِّرة في خطورة بعض الحوادث المروريَّة؟ وهل تتناسب الإجراءات الرقابيَّة الحاليَّة مع حجم المخاطر المرتبطة بها؟ وهل توجد آليَّة وطنيَّة متكاملة لضبط أوزان الشاحنات وحمولاتها، والتحقُّق من طريقة تثبيت تلك الحمولات، والتأكد من صلاحيَّة المَركبة لنقلها، وتحديد المسارات والأوقات والسرعات المناسبة لها؟
لقد شهدتِ السنوات الأخيرة بعض الحوادث المُميتة والمروِّعة، وبخاصَّة في الطُّرق الجبليَّة والعقبات والمناطق ذات الانحدارات والارتفاعات، ارتبطت بمَركبات ثقيلة أو شاحنات ذات حمولات كبيرة، خصوصًا عند الصعود، أو عند النزول في المنحدرات، أو التعامل مع المنعطفات، أو التوقف المفاجئ. ولذلك لا يمكن اختزال قضيَّة بعض الشاحنات في سلوك السائق وحده، رغم ضرورة التزامه بالسرعة المُحدَّدة، ومساره، وقواعد التجاوز، ومسافات الأمان؛ لكونها عنصرًا أساسيًّا في معادلة السَّلامة على الطريق. إلَّا أن هناك مسائل أخرى تتعلق بالشاحنة نفسها، مرورًا بنوع الحمولة ووزنها وطريقة تحميلها وتثبيتها، وانتهاءً بالسائق والطريق والظروف المحيطة به. كما أن ما نشاهده بأُمِّ أعيُنِنا من بعض الممارسات المروريَّة غير المنضبطة والتصرفات غير المسؤولة من بعض سائقي الشاحنات يستدعي مراجعةً أكثر صرامةً، ومن بينها تجاوز المسار المخصَّص لها، والانتقال بين الحارات بصورة قد تفاجئ مستخدمي الطريق، وعدم الالتزام بمسافات الأمان، فضلًا عن السرعة غير المناسبة لطبيعة الحمولة أو الطريق. كما أن مسألة وجود مسار مخصَّص للشاحنات أمر يدعو إلى المراجعة؛ فما يحصل مثلًا في طريق مسقط السريع وغيره، بمجرَّد فتح المجال للشاحنات بعد الساعة التاسعة، أي وقت الذروة الصباحيَّة أو وقت الذروة المسائيَّة، تصبح المَركبات الخفيفة محاصرةً بشاحنات ضخمة في كل المسارات الثلاثة أو الأربعة، ما يدعو إلى إدراج هذا الأمر في قانون المرور وقانون النقل البَري.
إنَّ من أبرز القضايا التي يجب التوقف عندها، والتي نعتقد بأنها تُمثِّل جوهر المُشْكلة وأساس الفاجعة، موضوع أوزان بعض الشاحنات وحمولاتها. فالمتابع لحركة الطُّرق يستطيع أن يلاحظ وجود شاحنات تحمل حمولات كبيرة، ما يطرح تساؤلًا مشروعًا حول مدى الالتزام بالأوزان المسموح بها، ومدى انتظام عمليَّات الوزن والفحص قَبل دخول الشاحنة إلى شبكة الطُّرق. وتتعدى المسألة الأوزان وحدها إلى طبيعة الحمولة أيضًا؛ فهناك فَرق كبير بين شاحنة تحمل مواد عاديَّة، وأخرى تنقل معدَّات ثقيلة، وثالثة تنقل قطعًا خرسانيَّة أو حديديَّة أو فولاذيَّة أو أنابيب، إذ لكل نوع من هذه الحمولات اشتراطاته الفنيَّة المتعلقة بالتوزيع والتثبيت والربط ومركز الثقل ووسائل منع الانزلاق أو السقوط. لذلك نعتقد بأن وجود ميزان لوزن الشاحنات أولويَّة رقابيَّة وأداة وقائيَّة لحماية الطريق والمَركبة ومستخدمي الطريق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوسُّع في منظومة موازين المَركبات، سواء من خلال محطَّات وزن ثابتة أو أنظمة وزن حديثة مرتبطة بالرقابة الإلكترونيَّة، بما يسمح بتحديد المَركبات ذات الأوزان غير المسموح بها واتخاذ الإجراءات اللازمة قَبل استمرارها في الطريق، خصوصًا في ظل تأثير هذه الأوزان على البنية الأساسيَّة للطُّرق. ولعلَّ ما يظهر من سرعة تشقُّق وتصدُّع الجسور والطرقات الحديثة في سلطنة عُمان قد تكون أحد أسبابه، ما يدعو إلى مراجعة أوزان المَركبات وحمولاتها. وفي الشَّأن نفسه، نؤكِّد أهميَّة الحاجة إلى مراجعة الاشتراطات الفنيَّة الخاصَّة في هيكل الشاحنات، بما يضمن وجود وسائل تثبيت وحواجز مناسبة بحسب نوع الحمولة، وعدم الاكتفاء بالاعتماد على أدوات قديمة أو غير مناسبة أو غير خاضعة للفحص الدَّوري.
ومن بين الأمور التي نؤكِّد على أهميَّة وضع الاعتبار لها والإلزام بتطبيقها هو ما اتَّخذته شُرطة عُمان السُّلطانيَّة مشكورةً منذ فترة وعبر مشروع الخدمة المرافقة المروريَّة للشاحنات، والتي تتعلق بمرافقة بعض الشاحنات التي تحمل موادَّ خطرة، وهي خطوة تعكس أهميَّة التعامل الوقائي مع الحمولات التي قد يؤدي وقوع حادث لها إلى نتائج جسيمة، ولذلك نعتقد بأهميَّة إلزام جميع أو بعض الشاحنات بذلك، ورغم أن المشروع أضاف هذه الشاحنات ذات الحمولة الكبيرة كإحدى أولويَّات وأهداف المشروع، إلَّا أن التهرب من هذا الالتزام بدوافع ماليَّة رغم إتاحته إلكترونيًّا، يُؤكِّد اليوم على ضرورة التوسُّع في مسار المرافقة، وفق معايير مُحدَّدة، لِيشملَ بعض الشاحنات التي تحمل حمولات ذات خطورة استثنائيَّة، مثل القطع الحديديَّة أو الفولاذيَّة كبيرة الحجم، والقِطع الخرسانيَّة الضخمة، والأنابيب كبيرة الأقطار، والمعدَّات الثقيلة، والحمولات ذات الأبعاد أو الأوزان الاستثنائيَّة، وهو ما يحتاج إلى وضع تصنيف وطني للحمولات بحسب مستوى الخطورة، بحيث تُحدَّد لكل فئة متطلبات خاصَّة تتعلق بالمسار والسرعة والوقت ووسائل التثبيت والمرافقة.
من هنا فإن معالجة قضيَّة المَركبات الضَّخمة والثقيلة بحاجة اليوم إلى جهد جمعي، وآليَّة وطنيَّة متكاملة تشارك فيها الجهات ذات العلاقة بالنقل والطُّرق والمرور والسَّلامة، إلى جانب المؤسَّسات المُشغِّلة والجهات ذات الصِّلة بالرقابة الفنيَّة، ويمكن أن تقوم هذه الآليَّة على قاعدة بيانات وطنيَّة للمَركبات الثقيلة، تتضمن بيانات المَركبة ومالكها ونوع النشاط والحمولات المسموح بها وسجل الفحوص والمخالفات والحوادث، مع ربطها بأنظمة الرقابة والوزن والتفتيش، بما يسمح ببناء صورة أكثر دقَّة عن المخاطر، كما ينبغي أن تتضمن هذه المنظومة برامج تدريب وتأهيل مستمرَّة للسائقين، ولا سِيَّما السائقين القادمين من بيئات لُغويَّة مختلفة، بحيث تصل التعليمات المروريَّة والفنيَّة إليهم بلُغات ووسائل واضحة ومفهومة، مع التأكد من استيعابهم لها، وليس الاكتفاء بتوزيع المنشورات أو إصدار التعليمات.
أخيرًا، فإن ارتفاع الحوادث المروريَّة، أو إن صحَّ التعبير تسميتها بالفواجع المروريَّة المميتة، التي تكون بعض الشاحنات طرفًا فيها، يستدعي بناء مسار وطني واضح تشترك فيه جميع الجهات المعنيَّة، يقوم على رصد دقيق، وتشخيص متكامل، واستخدام نوعي للبيانات والدراسات، والتحليل المستمر للحوادث؛ بحيث يصبح ملف الشاحنات وحمولاتها وسلامتها جزءًا أساسيًّا من أجندة السَّلامة المروريَّة الوطنيَّة، وأن تخضع منظومة النقل البَري الثقيل لمراجعة مستمرَّة تضمن أن تكون الشاحنة، بكل وزنها وحمولتها، ملتزمةً بالطريق والقانون ومعايير السَّلامة. وإن من بين الموجِّهات التي نؤكِّد عليها رفع مستوى التغليظ والتشديد في العقوبات على المخالفات الجسيمة التي تنتج عن بعض الشاحنات، والتي تعرِّض حياة مستخدمي الطريق للخطر، بحيث تشمل السَّائق والجهة المالكة أو المُشغِّلة.
أسأل الله العظيم أن يتغمد ماجدات عُمان، ممَّن اختارهنَّ ربُّهنَّ في عِليين، بواسع رحمته ومغفرته، وأن يلهمَ أهلهنَّ وذويهنَّ وأبناءهنَّ الصَّبر والسّلوان، وأن يمُنَّ على المُصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ الجميع من مخاطر الطريق.
د.رجب بن علي العويسي