الاثنين 31 أغسطس 2026 م - 18 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

إعادة تعريف دورنا الوطني فـي البيئة الدولية المعاصرة فـي ظل التحولات الجيوسياسية فـي الشرق الأوسط «1-2»

إعادة تعريف دورنا الوطني فـي البيئة الدولية المعاصرة فـي ظل التحولات الجيوسياسية فـي الشرق الأوسط «1-2»
الأحد - 30 أغسطس 2026 02:58 م

محمد بن سعيد الفطيسي

10

يشهد النظام العالمي، وهو يقترب من نهاية العقد الثالث من القرن الـ(21)، تصاعدًا مستمرًّا في حدة التوترات السياسيَّة والصراعات العسكريَّة في مناطق عديدة ومختلفة حول العالم، خصوصًا في مناطق النفوذ التاريخيَّة، أقصد منطقة الشرق الأوسط، هذه المنطقة التي تمزقها الأحقاد المتأججة، والتي يحيط بها جيران متنافسون أقوياء، على حدِّ تعبير زبجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي سابقًا، والتي هي كذلك «مرشحة لأن تتحول إلى ساحة معركة كبرى للحروب ما بين الدول القوميَّة، وعلى شكل أرجح للعنف العِرقي والدِّيني طويل الأمد».

فضلًا عن ذلك، يُلاحظ تنامي الخلل والانكشاف في منظومة العلاقات الدوليَّة، وعجز كبير وخطير في قدرة هذا النظام على استيعاب ذلك الكمِّ الهائل من التغيُّرات والتحوُّلات في موازين وعلاقات القوَّة والسُّلطة وتبادل المصالح، خصوصًا بين القوى الكبرى وتلك الأصغر حجمًا، بالإضافة إلى تشظِّي هياكل بنائه السياسي بعيدًا عن مراكز القوى القطبيَّة (أميركا تحديدًا)، باتجاه تحالفات مصالح فضفاضة.

في هذا الإطار، حيث يُلاحظ تزايد علاقات الخصومة المتشكلة على علاقات التحالف والتكتل في العديد من القضايا الدوليَّة والإقليميَّة، وارتفاع عدد اللاعبين الدوليين، خصوصًا الصغار منهم، مع سرعة غير مسبوقة في تقلُّب الصداقات والعداوات بين أطرافه، بدرجة تُؤكِّد أنه لا مصلحة فوق المصالح الذاتيَّة، وأن الدول ـ ومهما ارتبطت بعلاقات وصداقات في المنظومة الدوليَّة ـ تبقى مصالحها فوق كل اعتبار، وستبقى على استعداد للتنازل عن تلك الصداقة أو العلاقة في مقابل المحافظة على مصالحها وأمنها القومي.

يُضاف إلى ما سبق، نجد أن «العودة إلى حقبة الصراع بين الدول ستكون ـ كما يُؤكِّد ذلك هنري كيسنجر ـ بمثابة هديَّة لنادي اللاعبين في مجال السياسة الخارجيَّة، والتي أصابها الارتباك في السنوات الأخيرة بفعل صعود نجم أطراف غير حكوميَّة فاعلة، وبسبب الانتفاضات الشَّعبيَّة، وأيضًا بسبب المُشْكلات الناعمة، مثل مُشْكلة التغيُّر المناخي، وفجأة بُعثت نظريَّة العالم الواقعي للعلاقات الدوليَّة من الموت».

ولا بُدَّ من الإشارة إلى أن المُشْكلة هي أنه، في الوقت الذي يُعَدُّ فيه صعود القوى غير الحكوميَّة، وعلى رأسها تنظيم الدولة وتنظيم القاعدة وغيرها من التنظيمات والجماعات المسلَّحة حول العالم، المسؤول عن العديد من أسوأ الصراعات في العالم، فمن المنطقي أيضًا القول إن دولًا كبرى وقوى قاريَّة على استعداد لاستخدام الإكراه والقوَّة بشكل لم يشهده العالم منذ عقود، كما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة الأميركيَّة وإيران، أو روسيا وأوكرانيا، وأن العلاقات الدوليَّة تتكون بالأساس من صراع وحشي على المصالح بين الدول.

نتيجة لذلك منحت حالة قمع المنافسة بين الدول في أعقاب الحرب الباردة، والظهور المفاجئ للاعبين غير الحكوميين، وبروز مجموعة جديدة من المُشْكلات العالميَّة، منحت كلها سببًا لأولئك الذين ارتدوا عن معادلات سياسة القوَّة التي ليس لها أيّ نتائج ملموسة حتى يشعروا بأن النموذج الواقعي قد أصبح قديمًا.

وفي هذا السياق، لا بُدَّ من الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش هو مَن أحدَث اختراقًا حقيقيًّا في التفكير التقليدي للولايات المتحدة. ففي استراتيجيَّته الخاصَّة بالأمن القومي، التي كشف عنها في عام (2002)، أعلن بوش أن التهديدات الرئيسة الموجَّهة نحو أميركا لم تَعُد قادمة من دول فقط، وإنما «من شبكات خفيَّة من الأفراد». فقد تتطلب السياسة الخارجيَّة تغيير الولايات المتحدة من داخلها، وليس تغيير سلوكها فقط.

اليوم، ومع الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأميركيَّة والجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، يعود الفكر سالف الذكر، ولكن ليس بالمنظور ذاته؛ فالرئيس ترامب يعمل وفق منهجيَّة إعادة الإخضاع للمركزيَّة الأميركيَّة بمختلف الوسائل والطُّرق العسكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، ولكن ليس ذلك في مواجهة منظَّمات أو جماعات إرهابيَّة، كما هو حال تنظيم القاعدة أو داعش، بل مع دول ذات سيادة.

ما يشير بدوره إلى حدوث تلك التحوُّلات التاريخيَّة التي طالما تحدثتُ عنها في العديد من البحوث والدراسات السياسيَّة والجيوسياسيَّة، أقصد الاتجاه التاريخي الذي يشير إلى أن النظام القائم اليوم، والذي هو مزيج يجمع بين أوهام القطب الواحد الذي لا تزال تُشكِّله الولايات المتحدة الأميركيَّة، وخيالات ثنائيَّة القطب بين هذه الأخيرة وروسيا والصين، وتحالفات فضفاضة سرعان ما ستتغيَّر بتغيُّر المصالح الجيوسياسيَّة، باتجاه ولادة نظام عالمي جديد هو أقرب ما يكون إلى نظام تحكمه الكثرة الفضفاضة.

وباختصار، يمكن التأكيد أن الخريطة السياسيَّة الدوليَّة خلال الفترة من (2020-2026م)، وعلى ما يبدو سيستمر الأمر حتى نهاية فترة الرئيس الأميركي ترامب، أو بمعنى آخر حتى نهاية العام (2030م)، ستشهد المزيد من التغيير الجذري في شكل الصراعات وقوَّتها النوعيَّة، وتحوُّلات أخرى في مصادر تلك القوَّة كدول وفواعل ثانويَّة. وعلى ما يبدو، فإن السُّلطة نفسها تسير باتِّجاه عدم التركيز والتشتت نحو أكثر من مصدر بين دول وتحالفات ومصادر فرديَّة، وأخرى بين أقطاب وفواعل غير أساسيَّة في النظام العالمي.

كل ما سبق يدفع باتِّجاه أهميَّة العمل على إعادة النظر في العديد من السياسات والتوجُّهات التي تعمل عليها الدول، سواء كانت تلك السياسات عسكريَّة أو سياسيَّة أو أمنيَّة أو غير ذلك، حتى إنني أرى أنه من المُهمِّ للغاية العمل على إعادة النظر في التحالفات والعلاقات (الأصدقاء والأعداء)، وأن يُعاد بناء المبادئ والتوجُّهات استنادًا إلى مستويات المصالح الدائمة وتلك المؤقتة بين الدول.

استنادًا إلى ما سبق، نسأل الأسئلة التالية: هل يجب على سلطنة عُمان إعادة تحديد مصالحها الوطنيَّة الاستراتيجيَّة فيما يتعلق بموجّهات سياساتها الخارجيَّة في ظل نظام عالمي قائم على التشكُّل من عشرات التحدِّيات والعقبات والمُشْكلات التي ستواجه الاستقرار والأمن الوطني؟ وكيف ينبغي أن يتمَّ ذلك؟ وما المُحدِّدات والموجِّهات السياسيَّة والأمنيَّة التي يمكن من خلالها البقاء بعيدًا عن دائرة الفوضى السياسيَّة والصراعات العابرة للحدود الوطنيَّة؟ وهل يمكن الاعتماد على تلك المبادئ والموجِّهات السياسيَّة والأمنيَّة التي قامت عليها السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة منذ العام (1970م) في ظل تلك المتغيِّرات والتحوُّلات الدوليَّة التي باتت تهدِّد استقرار وأمن معظم دول العالم؟ أم نحن بحاجة إلى إعادة بناء وتطوير تلك المبادئ السياسيَّة والأمنيَّة بطريقة يمكن معها أن تواكب تلك المخاطر والتهديدات التي باتَ النظام العالمي المتشكِّل يرزح تحت قوَّة ضرباتها ووطأة رحمتها؟!

محمد بن سعيد الفطيسي

باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

[email protected]

MSHD999 @