الاثنين 31 أغسطس 2026 م - 18 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

سلطنة عُمان .. الدبلوماسية هي المخرج الوحيد

سلطنة عُمان .. الدبلوماسية هي المخرج الوحيد
الأحد - 30 أغسطس 2026 02:59 م

خميس بن عبيد القطيطي

20

زيارة معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجيَّة إلى طهران تأتي في لحظة إقليميَّة شديدة الحساسيَّة، تتقاطع فيها الحسابات الأمنيَّة والعسكريَّة مع المصالح الاقتصاديَّة، ويقف مضيق هرمز في قلب واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا وخطورةً في المنطقة. فالزيارة، كما أُعلن عنها، تأتي لاستكمال المشاورات العُمانيَّة الإيرانيَّة بشأن مضيق هرمز، لكن الدَّور العُماني التاريخي والمسؤول لا يمكن اعتباره تحركًا دبلوماسيًّا عاديًّا، بل هو محاولة جادَّة لإيجاد مخرج سياسي لأزمة باتت تداعياتها تتجاوز حدود الإقليم إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة الدوليَّة.

الدبلوماسيَّة العُمانيَّة في هذه اللحظة الفارقة تكتسب أهميَّة استثنائيَّة؛ لأن مسقط اليوم لا تتحرك من واقع تمرير رسائل سياسيَّة بين أطراف الصراع، وإنما تمتلك رصيدًا متراكمًا من الثقة والعلاقات المتوازنة والحضور المسؤول في المنطقة، وهذه ميزة نادرة في بيئة إقليميَّة شديدة التعقيد، بعدما أصبحت قنوات الاتصال المباشر بين أطراف الأزمة محدودة، والخيارات الدوليَّة معقَّدة، بل إن الممارسات السياسيَّة والعسكريَّة يمكن أن تدفع المنطقة إلى دائرة أوسع من التصعيد. هنا لا بُدَّ لأصوات الحكمة أن تتبنى المبادرة.

لقد أثبتت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية أن الدبلوماسيَّة الهادئة هي وحدها القادرة على تجاوز الأزمات والخروج من عنق الزجاجة، بل قد تكون أكثر الأدوات فاعليَّة عندما تصل الأزمات إلى مرحلة تتعطل فيها الخيارات. ومسقط تعرف جيِّدًا كيف تتحرك، ومن أيِّ زاوية يمكن الدخول، وكيف يمكن مقايضة الأضرار والمصالح لأطراف النزاعات أولًا، وللمنطقة والإقليم والعالم. بل إن سلطنة عُمان تمتلك الفكر السياسي الحكيم الذي يعرف طريق النجاح، كما أن سلطنة عُمان تعرف النقاط الحرجة في طبيعة المواجهة وتفاصيلها، وتدرك جيِّدًا طبيعة هواجس دول الخليج وتأخذها بعين الاعتبار، ولديها ـ في الوقت نفسه ـ قنوات تواصل مع القوى الدوليَّة، الأمر الذي يجعلها قادرةً على تفكيك الأزمات وإزالة العُقَد وطرح الأفكار وتهيئة الأرضيَّة المناسبة للحلول. لكن ـ بالمقابل ـ على أطراف الأزمة أيضًا أن تمنح نفسها القدرة على التعاطي المَرِن بما لا يُعَد تنازلات من حيث المبدأ، بل رغبةً في إحلال السَّلام والاستقرار وتجاوز الأضرار التي تلحق بالعالم أجمع.

أهميَّة الدَّور العُماني تزداد مع دخول مضيق هرمز في صلب الأزمة؛ فالمضيق ليس مجرَّد ممرٍّ مائي بين ضفَّتَي الخليج، بل هو شريان حيوي للتجارة والطاقة العالميَّة، يمرُّ من خلاله (20٪) من مصادر الطاقة العالميَّة، وأيُّ اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة ستكون له انعكاسات إقليميَّة ودوليَّة واسعة. وللأسف، تتزايد الضغوط والتصريحات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة حول موضوع العبور في مضيق هرمز، ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن طرف ينتصر في معادلة هرمز، بل البحث عن صيغة تحفظ مصالح جميع الأطراف والمُجتمع الدولي بِرُمَّته.

اللحظة الراهنة تكمن في أن استمرار الأزمة لم يَعُد يحتمل المزيد من الوقت؛ فكل يوم إضافي من التوتُّر يرفع كلفة الأزمة على المنطقة ودول العالم، ويزيد احتمالات سوء تقدير الحسابات، ويجعل الوصول إلى التسوية أكثر تعقيدًا. بالمقابل، فإن فتح نافذة سياسيَّة حقيقيَّة يمكن أن يحول المضيق من نقطة اشتعال إلى نقطة انطلاق نحو تهدئة أوسع. وبالتَّالي، باتَ الاعتماد على سلطنة عُمان لا يعني منحها دورًا فوق قدرة الأطراف الأخرى، بل الاعتراف بأن مسقط تمتلك من أدوات التواصل والثقة والخبرة ما يؤهلها للمساهمة بفاعليَّة في صناعة الحل. وقد برهنت التطورات الأخيرة أن الحاجة ماسَّة إلى هذه النوعيَّة من الوسطاء الذين يستطيعون الحديث مع الجميع، بل أصبحت الحاجة إلى الدبلوماسيَّة العُمانيَّة اليوم أكبر من أيِّ وقت مضى.

هناك تحركات إقليميَّة أخرى ـ لا شك ـ أنها تعمل في ذات الهدف ومصلحة الإقليم، سواء الدَّور القطري أو التحرك الباكستاني، وكل هذه التحركات والوساطات الإيجابيَّة ـ للأسف ـ لم تتمكن من الوصول إلى بَرِّ الأمان رغم جهودها المبذولة. هنا تبرز أهميَّة الدَّور العُماني الذي لا يبحث عن تسجيل انتصار دبلوماسي بقدر ما يبحث عن منع خسارة تهدِّد الجميع، وهذه هي القِيمة الأهم في الدَّور العُماني؛ فنجاح مسقط يُقاس بقدرتها على تقريب المسافات بين الأطراف، وتخفيف سوء الفَهْم، وتحويل القضايا الخلافيَّة إلى ملفات قابلة للتفاوض.

زيارة معالي السَّيد بدر البوسعيدي، وزير الخارجيَّة، إلى طهران يجب أن تُقرأ في إطار أوسع؛ فالمنطقة تحتاج اليوم إلى صوت عقلاني يفتح الأبواب التي أغلقتها لُغة التصعيد، وإلى وسيط يحظى بالثقة والخبرة التراكميَّة والأدوار التاريخيَّة المسؤولة في الإقليم، وهو رُبَّما الطرف الذي ليست له صدامات مع أحد، ويبني علاقات متميِّزة مع الجميع، ويستطيع أن يتحدث مع جميع الأطراف دون أن يفقد استقلاليَّة قراره.

المدخل العملي الذي يضيف مساحةً مَرِنةً للدَّور العُماني هو مضيق هرمز، الذي يحتاج إلى حل سياسي وترتيبات تضمن أمن الملاحة، بل إن المنطقة في حاجة إلى خفض التصعيد بقدر حاجتها إلى معالجة جذور الأزمة. وبين هذين المسارين يمكن للدبلوماسيَّة العُمانيَّة أن تؤدي دورًا محوريًّا، ليس في هذه الأزمة فقط، وإنما في إعادة الاعتبار لفكرة أن الحوار يظل أقل كلفة من المواجهة. وفي هذه اللحظة الحسَّاسة، رُبَّما تكون الرسالة الأهم هي أن الطريق إلى التهدئة لا يزال مفتوحًا، وأن سلطنة عُمان يمكن أن تكون واحدة من أهم مفاتيح هذا الطريق.

الحكمة العُمانيَّة أصبحت تُمثِّل الخيار الدبلوماسي الأول، بل هي ضرورة إقليميَّة حين تضيق مساحات التحرك والخيارات أمام أطراف الأزمة. والدبلوماسيَّة العُمانيَّة تستطيع التواصل مع الجميع كجسر لا غنى عنه في ظروف شديدة التعقيد. وقد تكون سلطنة عُمان هي مكمن الحل بما تملكه من رصيد سياسي وتاريخ طويل في إدارة الأزمات، وأهم الجسور المتبقية للوصول إلى تسوية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]