الاثنين 31 أغسطس 2026 م - 18 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

الانقلاب على التكنولوجيا

الانقلاب على التكنولوجيا
الأحد - 30 أغسطس 2026 02:54 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10

منذ مطلع هذا القرن، تمتعت شركات التكنولوجيا الكبرى بحظوة لا مثيل لها بين كافَّة قطاعات الاقتصاد منذ عقود طويلة. كبرت وتضخمت تلك الشركات، خصوصًا ما تُسمَّى الآن «السبع الكبار» ـ وكلُّها شركات أميركيَّة ـ حتى أصبحت تقريبًا أهمَّ مُكوِّن في الاقتصاد العالمي. منذ انفجار فقاعة شركات الإنترنت مع بداية القرن الحالي، الحادي والعشرين، طوَّرت شركات التكنولوجيا الكبرى منتجات استقطبت مئات الملايين حول العالم، من مواقع تواصل مثل يوتيوب وفيسبوك وتويتر (الآن إكس) وغيرها. كما تطوَّرت تطبيقات رقميَّة دخلت مختلف مجالات النشاط الاقتصادي، خصوصًا القطاع المالي. ومع ظهور العملات المشفَّرة بداية العَقد الثاني من القرن الحالي، اتَّسع نطاق ونفوذ شركات التكنولوجيا لِتصبحَ مهيمنةً ومسيطرةً على أغلب قطاعات النشاط الاقتصادي حول العالم. يبدأ ذلك ـ بالطبع ـ في أكبر اقتصاد عالمي، بالولايات المتحدة، مقر تلك الشركات الكبرى، وينتشر عالميًّا. حتى إن الأمر وصل في تطوير البرمجيَّات والمنتجات الرقميَّة إلى الذَّكاء الاصطناعي، الذي أصبح الآن قاطرة النُّمو الاقتصادي العالمي.

تلاقى نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى على الحكومات مع توجُّه الإدارة الأميركيَّة الحاليَّة نحو تخفيف إجراءات التنظيم الاقتصادي وقواعد ولوائح النشاط المالي بشكل عام. هكذا زاد نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى لِتهيمنَ على الأسواق وتحصل منها على مئات مليارات الدولارات، وحتى التريليونات، لِتستثمرَها في الذَّكاء الاصطناعي. الآن زادت مخاوف المستثمرين، الذين ضخوا أكثر من تريليونَي دولار في تلك الشركات في العامين الأخيرين، من أن العائدات المتوقعة من الذَّكاء الاصطناعي وهوامش الأرباح العالية المأمولة قد لا تتحقق. لكن تلك ليست المُشْكلة الوحيدة والمهمَّة لتلك الشركات ولقطاع الذَّكاء الاصطناعي، الذي ما زال يحصل على المليارات من المستثمرين حول العالم، وترتفع أسهم شركاته في السوق بشكل مبالغ فيه، حتى إنها تقود ارتفاع المؤشِّرات رغم التصدع في جوانب الاقتصاد الأخرى. إنما الانقلاب على شركات التكنولوجيا أصبح مزدوجًا الآن، من الجهات الرسميَّة والجماهير بشكل عام، لأسباب مُتعدِّدة.

صحيح أنه منذ البداية ثارت مخاوف أخلاقيَّة وحقوقيَّة بشأن الذَّكاء الاصطناعي، خصوصًا بعدما اكتُشفت حالات الغش والخداع من بعض برامجه، وعمليَّات القرصنة والاختراق في حالات أخرى. لكن ذلك استدعى دعوات لتنظيم قطاع الذَّكاء الاصطناعي، ووضع ضمانات قانونيَّة لمواجهة تلك الاحتمالات. رغم أن ذلك التنظيم القانوني والضمانات لم تفلح حتى الآن في ضبط أداء مواقع التواصل وتطبيقات الدردشة عبر الإنترنت، التي تُستخدم في عمليَّات التزييف والتضليل والنَّصب والاحتيال بالتلفيق، الذي أصبح متطورًا ومحكمًا الآن باستخدام برامج الذَّكاء الاصطناعي في «التزييف العميق» للنصوص والصوت والصورة. إنما الانقلاب الحقيقي هو في معارضة السكان المحليين لإقامة مراكز البيانات الكبرى التي تغذِّي الذَّكاء الاصطناعي؛ لِمَا لها من أضرار بيئيَّة وعلى توافر الطاقة للسكان المحلِّيين وغير ذلك. وبدأت (50) ولاية أميركيَّة في إصدار تشريعات تحدُّ من إقامة تلك المراكز، ومن نفاذ الذَّكاء الاصطناعي في عمليَّات المراقبة والتلصُّص وغير ذلك، ممَّا يفتح المجال للانتهاكات التي لا يمكن السيطرة عليها. وحسب افتتاحيَّة لصحيفة «الفاينانشيال تايمز» هذا الأسبوع، فإن الانقلاب على شركات التكنولوجيا أصبح أمرًا حقيقيًّا، وليس توقعًا أو تكهنات.

الأخطر أن الإدارة الأميركيَّة ـ في محاولتها للاستمرار في دعم شركات التكنولوجيا الكبرى ـ حاولت إصدار تشريع يفرض حظرًا على الولايات أن تصدر قوانين أو تشريعات تقيِّد شركات التكنولوجيا الكبرى. لكن، في اتفاق نادر بين نوَّاب الحزبين، الحاكم والمعارض، في الكونجرس، تمَّ رفض مشروع قرار البيت الأبيض. بل بدأ الكونجرس في وضع تشريعه الخاص الذي يفرض قيودًا على شركات التكنولوجيا الكبرى. كذلك بدأت المحاكم في الولايات المتحدة اتِّخاذ مواقف متشدِّدة ضد تلك الشركات في الدعاوى المرفوعة عليها، سواء من السُّلطات المحليَّة أو الفيدراليَّة أو حتى الجمهور العادي. كانت الولايات المتحدة تنتقد مواقف الأوروبيين من تلك الشركات العملاقة ومنتجاتها الرقميَّة، سواء بتغريمها المليارات في قضايا احتكار أو انتهاك خصوصيَّة أو تهرب ضريبي. الآن أصبحت تلك الشركات عرضةً لتلك التحدِّيات من سُلطات الولايات والجماهير في الداخل الأميركي. وبالتَّالي، لا يمكن للإدارة الأميركيَّة أن تلقي باللوم على الخارج فقط فيما يتعلق بالقيود على شركات التكنولوجيا الكبرى.

لا تعني تلك الردَّة بالنسبة لشركات التكنولوجيا الكبرى أن الناس تنقلب على مبتكرات التكنولوجيا التي سهَّلت حياتهم وأصبحت جزءًا لا يتجزأ من نشاط البشر. لكنه انقلاب على الوضع شِبه الاحتكاري لتلك الشركات الكبرى، من «آبل» إلى «أمازون»، ومن «جوجل» إلى «فيسبوك»، يُضاف إليها الشركات الصاعدة في مجال الذَّكاء الاصطناعي، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك». إنما لا شك أن هذا الموقف من السياسيين والقضاء والجماهير لا يسرُّ الشركات الكبرى التي تقنع مستثمريها بأنها مستمرَّة في النُّمو والتضخُّم والتطوُّر والهيمنة. بالتَّالي، سيؤثر ذلك على العائدات المستقبليَّة لتلك الشركات، خصوصًا في قطاع الذَّكاء الاصطناعي، ما قد يعني «سحب حرارة الغليان» من فقاعة في القطاع يُخشى انفجارها بما له من أضرار واسعة النطاق على المستثمرين والمستخدمين. لكن ذلك قد يكون ـ بشكل غير مباشر ـ في صالح شركات التكنولوجيا الصينيَّة التي تطوِّر منتجات رقميَّة ونماذج ذكاء اصطناعي لا تقلُّ كفاءةً عن الأميركيَّة، إنما بكلفة أقلّ كثيرًا، كما أنها مفتوحة المصدر يمكن لأيِّ أحَد أن ينزلها ويستخدمها.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]