مسقط ـ العُمانية: تعمل التغيرات والتحولات المتسارعة في العالم الحديث على إيجاد أنماط وظيفية حديثة تتشكل وفق ظروف الواقع المعيش، فاليوم ومع تغيّر مفهوم الوظيفة من مسارها التقليدي إلى مساحة أكثر مرونة قابلة للابتكار وصناعة الفرص ذاتيا الشباب، أصبح الأمر أكثر وعيًا في التفاعل والتعامل مع هذا الواقع، حيث البعد عن السياق التقليدي للوظيفة بمفهومها الخاص، مع الأخذ بالتوجهات العالمية، ما أوجد التحفيز لدى الشباب على صياغة تخصصات مستقلة بدلًا من انتظار المهن الجاهزة.
ومن الجوانب التي ساعدت على ذلك، وجود مؤشرات لفرص تعمل على إيجاد وظائف للأفراد وتهيئة السُبل في توفير مصادر دخل مُختلفة وغير ثابتة على قواعد مُعيّنة، وفقًا لما يشهده العالم من بروز للتكنولوجيا الحديثة والابتكارات الرقميّة وحوكمتها، والتي تُسهم في ملائمة الإمكانات التي وصلت اليها المُجتمعات.
هنا تطرح عدة نقاط مفادها، ماهية تأثير الاقتصاد الرقمي في تحفيز الشباب على صياغة تخصصات مستقلة، والعمل الجاد على هندسة المهن والبحث في الاتبكار لإيجاد وظائف غير موجودة، والسعي الحقيقي لإيجاد وظائف تواكب المستقبل غير موجودة على الإطلاق في سوق العمل على سبيل المثال، مع الوقوف عند المحفزات بما فيها الفضول الشخصي في إيجاد هذه الوظائف من بينها في مجال التقنية والفنون والذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق يقول طلال بن خميس البحري فني أول بمركز تقنيات التعليم بجامعة السُّلطان قابوس: ترسخ مفهوم (الوظيفة) في مساره التقليدي قيمة جوهرية في وجدان الشاب العماني، بل ترسخ هذا الحب مُنذ الطفولة، باعتبار الوظيفة وسيلة نبيلة لخدمة الوطن، وتحقيق التوافق بين المُؤهلات العلميّة والعمليّة، وضمانًا للرفاهيّة والاستقرار، غير أن التغيرات العالميّة المتسارعة، والثورة الرقمية، وتداخل الثقافات مهما تباعدت الأقطار جعلت التواصل والابتكار حاضرين بقوّة، وأحدثت تحولا جذريا في هذا المفهوم، مع بقاء الطابع الجميل للانتماء الوطني راسخًا في النفوس.
وأوضح أنه لا يزال الفكر التقليدي متمسكا بالأمان الوظيفي مدى الحياة، لما يوفره من راحة نفسية واستقرار يمتد حتى التقاعد، غير أنّ الأمان في المسار الوظيفيّ المرن لم يعد مرتبطًا بالمنصب ذاته، بل بالمهارات المُكتسبة؛ فمن يواكب التطوّرات التقنيّة الحديثة، ويستثمر في الذكاء الاصطناعي، يتمكن من ترسيخ استقراره الوظيفي وتحقيق النجاح المستدام و كانت القيادة محصورة في القمة الهرمية وكان الموظف مجرد منفذ للأوامر، بعيدًا عن صناعة القرار، أما في البيئة المرنة، فقد أصبح الموّظف شريكًا في القرار، بل صانعًا له داخل نطاق عمله، مما يحوله من مجرد منفذ إلى مبتكر ناجح، وبين أن ثقافة (التجربة والخطأ) في المسار التقليديّ كان لها أثر سلبي، إذ ترسّخت قناعة لدى الموّظف بأنَّ الإخفاق يستوجب العقاب، مما ولَّد لديه الخوف من المُجازفة في المُقابل، وهنا يتبنى المسار الوظيفيّ المرن ثقافة التعلّم من الأخطاء، ويشجع على الوصول إلى حلول مُبتكرة بأقل التكاليف، معتبرًا الفشل خطوة في طريق النجاح.
أما على الصعيد المالي، فيقول: نشهد اليوم توجه الشركات الكبرى حول العالم إلى مشاركة موظفيها المُبتكرين في الأرباح، تقديرًا لإسهاماتهم، وهو ما يتناقض مع النظام التقليديّ الذي يقتصر على الراتب الشهري والمكافأة السنوية إن وجدت مما يوجد فجوة ماليّة واضحة بين المسارين».
من جانبها تقول رحمة بنت سعيد الرشيدي مُصممة جرافيك ومتخصصة في التواصل الاستراتيجي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي: لم يعد مستقبل العمل قائمًا على ظهور وظائف جديدة بصورة عشوائية، كما لم تعد الوظائف المستقبلية تبنى بالضرورة حول تخصصات منفصلة، وإنما أصبحت تنشأ من إعادة تشكيل الأدوار المهنية عند تقاطع المعرفة الإنسانيّة مع التقنيات الحديثة، ومع التطوّر المُتسارع في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأنا نشهد ظهور أدوار مهنية لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة، نتيجة حاجة المؤسسات إلى مهارات تجمع بين الفهم الإبداعيّ والقدرة التقنية.
و تذكر الرشيدية: أصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في العمليّة الإبداعيّة، حيث يوظف المصمم أدوات توليد الصور بالذكاء الاصطناعيّ لتطوير مفاهيم بصريّة، وإنشاء نماذج أوليّة، وبناء تجارب إبداعيّة أكثر سرعة ومرونة، مع الحفاظ على دوره الإبداعيّ في توجيه الأفكار وتحويلها إلى مُخرجات بصريّة ذات قيمة»، وتؤكّد أنَّ هذا التحوُّل يفتح المجال لظهور مُتخصصين يجمعون بين المهارات التصميميّة وفهم تقنيات الذكاء الاصطناعيّ، وهي مهارات أصبحت تكتسب أهميّة مُتزايدة في سوق العمل نتيجة التحوُّلات الرقميّة المُتسارعة.
كما يشهد مجال التواصل المؤسسـيّ تحولًا مُشابهًا، وهنا تقول: «لم يعد دور المُختص يقتصـر على صياغة الرسائل وإدارة المُحتوى، بل أصبح يمتد إلى توظيف الذكاء الاصطناعيّ في تحليل الجمهور، وتطوير الأفكار، وإنتاج المُحتوى النصّي والبصريّ، وبناء استراتيجيات اتصال أكثر ذكاءً وتأثيرًا، وهذا يوجد الحاجة إلى أدوار مهنيّة تجمع بين الاتصال الاستراتيجيّ والتقنيات الذكية.
وتؤكد في سياق حديثها: من وجهة نظري الشخصيّة، أرى أنَّ الفضول الشخصي يمثل المحرك الأساسي لإيجاد هذه المهن؛ فالوظائف المستقبلية غالبًا لا تولد من تخصص واحد، وإنما من تقاطع مجالات مختلفة، فالشخص الذي يدمج التصميم مع الذكاء الاصطناعي، أو التواصل المؤسسي مع الأدوات الذكيّة، يطوّر نموذجًا مهنيًّا جديدًا يجمع بين تخصصات مُتعددة، وقد يتحول هذا الدمج إلى أدوار وظيفية وخدمات مُبتكرة تستجيب لاحتياجات المستقبل.
ويقول سعيد بن مبارك الغنامي نائب رئيس مجلس إدارة الجمعيّة العُمانية لتقنية المعلومات: نرى بأن سوق العمل في سلطنة عُمان بعد عقد من الآن، مع هذا التغير السريع والمستمر في مختلف التقنيات، لن يكون مختلفًا في أسماء المهن بقدر ما سيكون مختلفًا في طبيعة مُمارستها والتعامل مع مُمكناتها، فالطبيب والمُهندس والمُعلم والمُحاسب وغيرها من التخصصات الأساسيّة ستظل أساسية في سوق العمل، ولكن المختلف سيكون الأدوات التي يستخدمونها، المهارات التي تميزهم، والأثر الذي يقدمونه، كما ستتغير سرعة الإنجاز وجودة المُخرجات بصورة كبيرة وتدريجيا وليس بين ليلة وضحاها، وبالرغم من المُتوقع ظهور وظائف جديدة مستقبلا نتيجة هذا التغير، لكن لا نعتقد بأن الجيل القادم سيعتمد بالكامل على مهن لا وجود لها اليوم، وإنما سيعمل في بيئة تتداخل فيها التخصصات، وتصبح الوظائف فيها أكثر مرونة اعتمادًا على المعرفة الرقميّة والبيانات والذكاء الاصطناعي.
وأضاف أيضًا: في سلطنة عُمان، يتزامن هذا التغير والتحوُّل مع مُستهدفات رؤية عُمان 2040، من خلال التوسُّع في مجالات الاقتصاد الرقميّ، والذكاء الاصطناعيّ، والطاقة المُتجددة، واللوجستيات، والسياحة، والاستدامة، هذه القطاعات لن توجد فرص عمل جديدة فحسب، وإنما ستعيد تشكيل الأدوار المهنيّة الحاليّة، وستولد أدوارًا مهنية تجمع بين أكثر من تخصص بهدف تحقيق التكامل في تحقيق مُستهدفات المؤسسة ومؤشراتها.
وبيَّن: هناك فرق بين شخص يستخدمها لإعداد خطة تسويقية، وآخر يطوّر منصّة تساعد المؤسسات الرسمية أو الخاصّة على تحليل سلوك عملائها والتنبؤ باحتياجاتهم وتحسين قراراتهم التسويقيّة، فهنا نلاحظ الفرق بين من استخدم التقنية بصورة تقليديّة، وبين من ابتكر خدمة ذات قيمة يمكن أن تنمو إلى مشروع وفرص عمل جديدة.
وأشار إلى أن المُنافسة مستقبلًا لن تكون بين من يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعيّ، بل بين من يستطيع توظيفها لفهم احتياجات السوق، وحل المُشكلات، وابتكار خدمات ومُنتجات ذات أثر اقتصاديّ، فالتقنيات مُتاحة للجميع، أما القدرة على تحويلها إلى قيمة مُضافة فهي التي ستصنع الوظائف الأكثر استدامة وتنافسيّة، وستمنح الشباب العُماني فرصة ليس فقط لمُواكبة المُستقبل، بل للمُشاركة في صناعته.