الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

فـي مولد النبي «عليه الصلاة والسلام».. حين يصنع التدين طبقية لم يصنعها الدين «1»

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 02:40 م

لم يأتِ النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ليصنع في المجتمع طبقةً دينيةً تعلو على الناس، ولا جماعةً ترى أنها أقرب إلى الله لمجرد مظهرها أو انتسابها أو بعض اختياراتها التعبدية؛ بل جاء برسالةٍ جعلت الطريق إلى الله مفتوحًا للناس جميعًا، وجعلت ميزان التفاضل أمرًا بالغ الدقة والخفاء: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وفي ذكرى مولده (صلى الله عليه وسلم)، ربما يكون من الوفاء لسيرته ألا نكتفي بالحديث عن محبته، وإنما نسأل أنفسنا: هل يشبه تديننا اليوم المجتمع الذي أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبنيه؟.

لقد نشأت في بعض مجتمعاتنا، مع مرور الزمن، صورة غير مكتوبة تقسم الناس إلى فئتين:(ملتزم) و(غير ملتزم)، أو بالتعبير الشعبي الشائع:(مطوّع) و(غير مطوّع)، ولم يكن الإشكال في الالتزام نفسه؛ فالاستقامة على أمر الله فضيلة، وطلب العلم شرف، والحرص على السنن خير، والصحبة الصالحة مما يعين الإنسان على دينه، وإنما يبدأ الإشكال حين تتحول هذه المعاني من وسائل لتهذيب النفس إلى معايير للحكم على الآخرين، ومن عبادة تزيد صاحبها تواضعًا إلى هوية اجتماعية تمنحه شعورًا بالتفوق.

وهنا يقع الالتباس بين أمرين مختلفين: التقوى كما يزنها الله، والصورة التي نصنعها نحن للمتقي، فالقرآن حين قال:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) لم يمنح البشر أداة سهلة لتصنيف الناس؛ لأن التقوى ليست بطاقةً ظاهرة تُعلَّق على الصدر، ولا هيئةً يمكن قياسها بالنظر، إنها بناء واسع يدخل فيه الإيمان والعبادة والصدق والأمانة والعدل والعفة والرحمة وحفظ الحقوق ومراقبة الله في السر والعلن، ومن هنا يصبح من الخطورة اختزالها في عدد محدود من المظاهر، ولا سيما في مسائل وقع فيها اجتهاد أو خلاف فقهي، ثم جعل تلك المسائل حدودًا فاصلة بين (الصالحين) وسائر المجتمع، ليس المقصود التقليل من شأن اللحية، أو اللباس، أو السنن، أو أي شعيرة يتعبد الإنسان بها لله؛ فهذه مسائل لها مكانها في الفقه والتدين، وإنما المقصود شيء آخر تمامًا: هل تمنحني ممارستي لها حق الشعور بأنني أفضل عند الله ممن خالفني فيها؟.. ذلك سؤال مختلف.

وعندما نسأل: من هو الصالح؟ فنقول: تتصل بهذه القضية فكرة (الصحبة الصالحة)، ولا شك أن الإنسان مأمور بأن يبحث عمن يعينه على الخير، وأن يتعلم ممن هو أعلم منه، وأن يحذر البيئة التي تجره إلى المعصية، لكن المشكلة تبدأ عندما نعرّف (الصالح) تعريفًا دائريًا: الصالح هو الذي يشبهني، ويلبس مثلي، ويتبنى اختياراتي الفقهية، وينتمي إلى البيئة الدينية نفسها التي أنتمي إليها، عندها قد نفقد أشكالًا كثيرة من الصلاح لا تحمل الهيئة التي اعتدناه، قد يكون الصالح رجلًا لا يعرف كثيرًا من دقائق المسائل، لكنه لا يأكل مال أحد، وقد يكون موظفًا يؤدي الأمانة حين يغيب الرقيب، وقد يكون تاجرًا يصدق حين يستطيع الكذب، وقد يكون جارًا يحفظ حق جاره، وابنًا بارًا بوالديه، وإنسانًا رحيمًا بالضعفاء، وفي المقابل قد يجتمع للإنسان مظهر الصلاح وبعض العلم، ثم يكون شديدًا في خصومته، أو متساهلًا في حقوق الناس، أو سريعًا إلى احتقارهم، ولذلك فإن الصلاح أوسع من الصورة التي نصنعها للصالح.

وهنا يعيدنا المولد النبوي إلى النموذج الأول، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) لم يعش في جزيرة بشرية منفصلة عن المجتمع، بل عاش قبل البعثة في مجتمع تمتلئ حياته ببقايا الحنيفية ومكارم الأخلاق، كما تمتلئ بالشرك والعصبية وممارسات الجاهلية، فعرف الناس وعرفوه، وتاجر معهم، وحضر مجامعهم، وتعامل مع قبائلهم وطبقاتهم، ثم بُعث (صلى الله عليه وسلم) فلم يتحول إلى رجل يعيش خلف جدار لا يصل إليه إلا (الملتزمون)، خالط حديث العهد بالإسلام، والمؤمن السابق، والأعرابي الجافي، والمنافق، واليهودي، والمشرك، والمرأة، والطفل، والفقير، والغني، وصاحب الذنب، وكان المسجد نفسه مجتمعًا مفتوحًا، لا ناديًا لنخبة دينية مغلقة، بل إن رسالته الأخلاقية جاءت لتبني على الخير الموجود في الناس وتتممه، كما جاء في الحديث:(إنما بُعثت لأتمم صالح الأخلاق(، وهذه دلالة حضارية مهمة: فالداعية لا يستطيع إصلاح مجتمع يحتقره، والمتدين لا يستطيع هداية أناس يضع بينه وبينهم جدارًا نفسيًّا.

سامي بن محمد السيابي 

 كاتب عماني