الرحمة خُلقٌ مباركٌ عظيمٌ يشعُّ نورًا في قلوب العباد الراحمون ببعضهم، الرحمة تنطلق من جوارح الإنسان المحبة لبعضها تطيب في قلوب العباد مسكنا دافئا تضمد به هموهم وأوجاعهم فتطيب حياتهم أملًا وسعادة وحُبًّا، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، ويقول الله تعالى:(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) (الأعراف ـ 156)، ومن عظيم صفة الرحمان الرحيم (الرحمة) التي وسعت وغطّت وشملت كل شيء في هذا الكون الفسيح، قال سبحانه تعالى:(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) (الأنعام ـ 54).
إنَّنا في كل عام من شهر ربيع الأول تتجلى لنا ذكرى غالية وعزيزة ألا وهي ميلاد خير البشرية.. فتشرق شمس مضيئة وتشع ضياء وبهجة وحبًّا ونورًا للأمة الإسلامية، فحياة حبيبنا وسيدنا وقُرّة أعيننا (محمد ـ صلى الله عليه وسلم) حافلة بأعظم وأفضل النماذج والمواقف العظيمة التي عاشها هذا النبي مع أصحابه، سواء مع المسلم أو الكافر، فهناك مواقف جليلة في حياة ذلكم النبي الكريم العظيم.. صاحب مواقف الرحمة في سيرته، وهو الرحيم بأمته.
إن المتدبر والخاشع مع آيات الله في كتابه العزيز يجد أنّ القرآن العظيم قد أوضح كوضوح الشمس في شروقها عن خُلُق (الرحمة) بالبشر وجميع الكائنات، وتناولت العديد من الآيات القرآنية الموجهة إلى هذا النبي الكريم بالرحمة في عدة مواقف مثل: اللين والصبر والرحمة والرأفة، والله ـ جلّت قدرته وعظمت مشيئته ـ قد أدّبَ رسولنا الرحيم بأمته على أعظم وأحسن تأديب، قال تعالى:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107)، فعايش النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ خلق (الرحمة) في أعظم حياة تطبيقًا وتعليمًا مع الجميع، فتكللت كل أوقاته أبهى صور الحب والود والرحمة بين الناس، ومن عظيم وفضل الله سبحانه وتعالى إلى الخلق أن أكرمهم بنبي الرحمة سيدنا محمد ـ عليه أفضل وأزكى التسليم ـ وأنزل الله إلينا أعظم وأفضل كتاب (القرآن الكريم) النبع العظيم الذي يستقي كل مسلم من مورده.
ورحمة الله في هذه الدنيا الفانية عمّت وشملت كل الكائنات، ومن خلالها تعيش هذه الكائنات حياة عظيمة رحيمة، يروي أَبو هُرَيْرَةَ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءًا، وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ).
ففي حياة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ مواقف وقصص كثيرة وعديدة لا تحصى.. وعلى المسلم التدبر والاتعاظ والسير على هذا المنهج النبوي الشريف لحياة حافة مضيئة، ومن هذه المواقف مجالسة الرحماء ومخالطتهم والبعد عن ذي الشدة والعنف والفظاظة والغلظة، فالإنسان يكتسب من المجالس ومن فيها شواهد ومواقف وطباع وفضل عظيم خاصة مجالس الحب في الله وفي ذكر الله والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وسلم)، ففي مسند أحمد:(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ)، فلا بد من معرفة جزاء الرحماء وثوابهم، وأنهم هم الجديرون برحمة الله دون غيرهم، ومعرفة عقوبة الله لأصحاب القلوب القاسية؛ فإنَّ هذا مما يدفع للتخلق بصفة الرحمة، ويردع عن القسوة.
يقول الله تعالى في محكم آياته:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة ـ 128)، ومن الكرامات الإلهية لهذا النبي الكريم أنه أكرمه برحمة في كل حياته ورأفة وحبٍّ وصفاءٍ وإخاءٍ لكل البشر، يحنُّ على الطفل وعلى المسكين وعلى الأرملة، فكان قلبه مشرقًا.. مضيئًا.. رحيمًا، قد شمل خصال الرحمة البعيد والقريب، الكبير والصغير، فكان قرآنًا يمشي على الأرض، فنال بذلك رحمة الله تعالى، وهو القائل كما في (سنن الترمذي): (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)، ومن رحمة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن شملت كل الكائنات الحية، فهناك من المواقف برحمته ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالطير، ما رواه أبو داود في سننه:(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا)، ولا ننسى أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يقضي حوائج الناس والوقوف معهم وهذه خصلة عظيمة قد وجهنا حبيبنا الرسول (عليه الصلاة والسلام) وخاصة لذوي الحاجة واليتامى والأرامل، فقد حثّ الناس على كفالة اليتيم، وكان يقول كما عند (البخاري):(أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا) وَقَالَ:(بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى)، وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالذي يصوم النهار ويقوم الليل، وقد تعرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى العديد من الإيذاء من قومه، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان رحيمًا مع الجميع حتى مع الكفّار وكان يدعو لهم بقوله (صلى الله عليه وسلم): (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) رواه البخاري)، وفي رواية:(اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) ، ولما قيل له: يا رسول الله ادْعُ على المشركين، قال: (إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رحمة) (رواه مسلم).
مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني