الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

النبي المزكى«صلى الله عليه وسلم» .. «قراءة فـي آيات تزكيته فـي القرآن الكريم» «2»

الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 02:34 م

.. وزكَّاه الله في مقامه، ورفعة ذِكْره، وسمو منزلته، فقال:(وَرَفعنَا لَكَ ذِكرَك)، فتجد الخلقَ في مجموعهم يحبونه، ويجلُّونه، ويوقِّرونه، ويصلون، ويسلمون عليه، ويحبون الصلاة والسلام عليه، وإذا كان أحدهم حزينًا، وقلت له:(صَلِّ على النبي) انشرح صدره، وانجاب حزنه، وانفرجت أساريرُه؛ بفضل الصلاة على النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم)، فالله قد رفع له ذِكْرَه، وأمسى له لسان صدق في الآخرين، محبوبًا مصلًّى، ومُسَلَّمًى عليه، في كل زمان، وكل مكان، وكل ذكر له، لا ينسى المؤمن الصلاة، والسلام عليه أبدًا، ولو تكرر ملايين المرار، وتعددتْ أماكن ذكره في ندوة، أو درس، أو محاضرة، أو كتاب، أو موسوعة، أو سيرة نبوية مكتوبة، أو مسموعة، أو خطبة، أو بحث، أو رسالة ماجستير، أو رسالة دكتوراه.

وزكاه الله في طهره، وعفافه، فقال تعالى:(وَوَضَعنَا عَنكَ وِزرَكَ)، مع أنه لا يعمل شيئًا من المعاصي ولا اقترف ذنبًا من الذنوب لكنه كان دائمًا يسأل الله أن يغفر له، ويتوب عليه، ويكثر من الاستغفار والتوبة والإنابة تعليمًا لنا وتبصيرًا، ويقول:(توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله، وأستغفره في اليوم مائة مرة) (صلى الله عليه وسلم)، مع أنه سيد المهتدين، وإمام المستغفرين، والطائع الأول عند رب العالمين، وقدوة الصالحين والمصلحين، وقدوتنا إلى الله رب العالمين.

وزكَّاه الله فيمن علَّمه، وبصَّره، وفهَّمَه، وبدا ذلك أيضًا في رحلة المعراج، حيث كان يسأل جبريل ـ عليه السلام:(ما هذا يا أخي يا جبريل؟)، فيجيب عليه، ويُفْهِمُهُ رمزية المرئية، حتى أنهاها له كلَّها، وكان تعليمه سماويًّا، حيث علَّمه سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ وأدَّبه ربه ـ جلَّ جلاله ـ فقد قال عن نفسه (صلى الله عليه وسلم):(أدّبني ربي فأحسن تأديبي)، وقال الله عنه، وعن معلِّمه:(عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى)، وهو كناية عن موصوف، هو سيدنا جبريل ـ عليه السلام ـ حيث علَّمه الصلاة، ومواعيدها، وكيفيتها: ركوعًا، وسجودًا، وقيامًا، وبدءًا، وانتهاءً، وحفَّظه القرآن الكريم، وكان يراجعه معه كلَّ عام مرةً، وفي العام الذي تُوُفِّيَ فيه، وحين قُبِضَ راجعه له مرتين؛ حتى تمكَّن القرآن الكريم من قلبه الشريف، حيث كان يتعجل حفظه، ولكن الله ـ جَلَّ جلاله ـ تعهَّد له بحفظه، وتمكينه من قلبه وروحه، قال تعالى:(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة 16 ـ 19)، وقـــال ـ سبحانه:(فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه ـ 114).

وزكَّاه الله في صدقه، ومنطقه، ونطقه، وأن ما يقوله إنما يكون عن علم بالله، لا يخرج فيه عن مطلوب ربه، فقال:(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (النجم ـ 4)، فعاش (صلى الله عليه وسلم) لا يتطرق إلى لسانه الشريف أيُّ لفظ غير كريم، فكان نطقه عِبَرًا، ولا يعرف العامية، ولا يتطرق إليه لحنٌ، وكان أفصحَ العرب، إذا قال، وتكلم، أو خطب في الناس، تسمَّرتْ أعينهم من جلال فصاحته، وكمال بيانه، وهو الذي ورد عنه استحسانًا قوله الشريف:(إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة)، فما ينطق عن هوًى خاص، ولا يتفوَّه بما يتفوَّه به الناس، بل كلُّ حديثه يبلِّغ فيه عن ربه، ونفى القرآن عن منطقه كلَّ ما يوصف به الخلقُ، فقال:(وَمَا يَنطِقُ عَن الهَوَى) أبدًا ما ينطق عن أيِّ هوًى، وكل ما تفوه به فمُه الشريف موجودٌ، ومسجَّلٌ في أحاديثه التي اعتنى بها أهلُ الحديث في كتبهم الحديثية، حيث سجلوا كل ما نطق به الفمُ الشريفُ، وسجلوه نورًا مضيئًا للدنيا كلها، وليس فيه إلا كلُّ خير، ونفع، وفصاحة، وبلاغة، وبيان، وكان يعجبه الفصيحُ من القول، ويثيبُ عليه صاحبه بالدعاء لقائله:(أَجَدْتَ، لا فَضَّ اللهُ فاك)، وكان كل من حوله من الصحابة فصحاء، بلغاء، ينقلون عنه كل قوله، ويحفظونه عن ظهر قلب، ويدافعون عنه بكل ما يملكون.

وزكَّاه الله في حلمه، ورأفته بقومه، وبكلِّ المؤمنين، فقال:(.. بِالمُؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، فهو بكل مؤمن رؤوفٌ، ورحيم، وهذان الوزنان (فعول، وفعيل) من أوزان الصفة المشبهة، أي الصفة التي تًثْبُتُ لصاحبها، لا تفارقه، ولا تغادر شخصه، ولا ظله، فالرأفة، والرحمة، يمشيان في ظله، ولا يفارقان شخصه الشريف، ويتبعانه أينما كانَ، وحيثما حلَّ، أو ارتحل، فهو رؤوف أينما حَلَّ، رحيم أينما تنقَّل.

وأخيرًا زكَّاه كلَّه، وجعل ذلك له خصيصًا دون غيره من سائر الأنبياء والرسل، فقال عنه (صلى الله عليه وسلم):(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وهذه الآية أساسٌ في وصفه الشريف، حيث أقسم الله في أولها، والواو حرف جر، وقسم، أي:(وعزَّتي وجلالي)، ثم المقسم به، وهو محذوف للعلم به (أي والله)، أو (وعزَّتي وجلالي)، ثم تأتي جملة جواب القسم:(إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، وهي متضمنة التوكيد بأكثر من مؤكد، مثل:(إنَّ) حرف توكيد، ونصب، واستعمال ضمير المخاطب الذي يفيد التخصيص، والقصر، والحصر، أي: إنك وحدك لا يشاركك غيرُك في الخلق العظيم، وتأتي اللام المزحلقة، أو الواقعة في جواب القسم:( لَعَلَى خُلُقٍ)، واستعمال حرف الجر:(على) الذي يفيد الفوقية، والاستعلاء، أي أنه فوق كل خلق عظيم، يعلوه، ويسموه، وكلمة:(خُلُق) اسم منكَّر، والتنكير يفيد العموم والشمول، فهو (صلى الله عليه وسلم) فوق كلِّ خلق نبيل، وكلُّ خلقٍ نبيل يأخذ من شخصه الشريف ما يرتوي منه، فكلُّ الأخلاق النبيلة الممتدحَة دون الرسول، والرسول فوقها، وكلمة:(عظيم) بوزن (فعيل) من أوصاف الصفة المشبهة، أي: أن العظمة ثابتة له، ومستمرة معه، كما أن اللفظ (عظيم) منكَّر، والتنكير يفيد الشمول والعموم كذلك، فهو فوق كل خلقٍ نبيل، وأنه أعظم من كلِّ خلق عظيم من الأخلاقيات كلها، فقد تضمنتِ الآيةُ ـ كما رأينا ـ كثيرًا من الصفات الكريمة في شخصه الشريف، وأبانتْ عن مكانته عند ربه، ومنزلته عند مولاه، ومقامه الشريف عند الله ـ سبحانه ـ ورفعته، وسموه، وأنه المقدم عند ربه ـ جَلَّ جلاله.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]