أيها المؤمنون: توقف بنا الحديث عند نداء صاحب كتاب «خاتم النبيين» لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيقول:(يا رسول الله: قد كتبنا في أئمة أعلام، قد قبسوا من نورك قبسة أو قبسات، أدركنا نورهم، ووفقنا الله تعالى إلى ما نحسب أننا وصلنا فيه إلى ما يفيد، وبمقدار ما قبسوا كنا ندرك ما به شرفوا، وما به أصابوا. واهتدوا، فلما جئنا إلى ساحتك. وحاولنا أن ندخل إليها، غمرنا النور، وكف أبصارنا الضوء المنير، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذى رمد غمره ضوء الشمس، أما ما هو أعلى، فأصابتنا الحيرة، ولا هادى لنا يخرجنا منها، إلا أن تكون الهداية من الله تعالى كما أمر إذ قال سبحانه: (قُل إِنَّ ٱلهُدَى هُدَى ٱللَّهِ) (آل عمران ـ 73)، فليس لنا إلا أن نلجأ إليه ضارعين أن يهدينا لتصوير شخصك الطاهر المطهر، أو لتقريبه إذا كان التصوير فوق طاقتنا، وأعلى من أن نصل إليه، فإن التقريب يحل عند العجز محل التسديد، والعجز مغفور، والقاصر معذور، والله عفو غفور)، وحُق للإمام أن يقول ذلك، وقد أخرج البغوي في (شرح السنة)، برقم:(3626):(إني عندَ اللهِ مكتوبٌ خاتمُ النَّبييِّنَ، وإنَّ آدمَ لمنجَدلٌ في طينتِه، وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري: دَعوةُ إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسَى، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَت - حين وضعَتني - وقد خرج لها نورٌ أضاءَت لها منه قصورُ الشَّامِ)، واللفظ له وأخرجه غيره، لقد انبسق هذا النور من أن (ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ ـ كما أورد ابن إسحاق ـ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ، فَمَرَّ بِهِ- فِيمَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ، وَلَا فِرَاقَهُ ـ سبحان الله ـ فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ ابْن مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفَضْلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا) (سيرة ابن هشام، ج2/353).
من هنا فنحن في شهر ميلاد نبي يعلو من أن يوصف كبشر في شخصه وآبائه، يقول شيخنا الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في مقدمة كتاب (فقه السيرة):(ليس الغرض من دراسة السيرة النبوية وفقهها، مجرد الوقوف على الوقائع التاريخية، ولا سرد ما طرف أو جمل من القصص والأحداث ولذا فلا ينبغي أن نعتبر دراسة فقه السيرة النبوية من جملة الدراسة التاريخية، شأنها كشأن الاطلاع على سيرة خليفة من الخلفاء أو عهد من العهود التاريخية الغابرة، وإنما الغرض منها؛ أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته (عليه الصلاة والسلام)، بعد أن فهمها مبادئ وقواعد وأحكامًا مجردة في الذهن، أي إن دراسة السيرة النبوية، ليست سوى عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كاملة، في مثلها الأعلى محمد (عليه الصلاة والسلام)، الذي وصفه الإمام علي بن أبي طالب بقوله:(لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ، وَكَانَ فِي وَجْهِهِ تَدْوِيرٌ أَبْيَضُ مُشَرَبٌ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ، جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ، أَجْرَدُ ذُو مَسْرُبَةٍ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ومن أجمل ما ورد في أوصافه (عليه الصلاة والسلام) أيضًا، ما أخرجه الترمذي في (سننه، برقم: 2809):(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ ـ الإضحيان يعني كانت السماء فيها صافية ـ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْقَمَرِ، فَلَهُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنَ الْقَمَرِ).. ولمزيد من أوصاف رسولنا الكريم.. للحديث بقية.
د.محمود عدلي الشريف