الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : فـي ملتقى المحافظين.. عُمان تختصر طريق التنمية

أضواء كاشفة : فـي ملتقى المحافظين.. عُمان تختصر طريق التنمية
الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 02:57 م

ناصر بن سالم اليحمدي

140

لا تُقاس سرعة التنمية في مَسيرة الأُمم بكثرة المشاريع وحدها، وإنما بقدرة المؤسَّسات على أن تتعلم من بعضها، وأن تختصر الطريق بتبادل الخبرات، وأن تجعل من نجاح التجربة الواحدة نقطة انطلاق لتجارب أخرى. ومن هذا المنطلق تكتسب أعمال ملتقى أصحاب السُّمو والمعالي والسعادة محافظي سلطنة عُمان ورئيسَي بلديتَي مسقط وظفار أهميَّة تتجاوز حدود اللقاء الرسمي إلى كونه مساحةً لصناعة فهمٍ مشتركٍ لمستقبل المحافظات ودورها في التنمية. فاختلاف المحافظات في طبيعتها وممكناتها وتحدِّياتها لا يُعَد تفاوتًا ينبغي النظر إليه بوصفه عائقًا، بل ثروة من التجارب المتنوعة التي يمكن أن تتعلم منها كل محافظة.

لا شك أن هذه الفكرة تحديدًا هي جوهر التجربة؛ كون المحافظة التي نجحت في معالجة تحدٍّ معيَّنٍ قد تكون قد قطعت شوطًا يمكن لمحافظة أخرى أن تختصره وتستفيد منه. فمثلًا، المحافظة التي طوَّرت نموذجًا في الإدارة أو الاستثمار أو التنمية السياحيَّة تستطيع أن تضع تجربتها على طاولة النقاش؛ لتصبح معرفةً مشتركةً لا إنجازًا محليًّا محدود الأثر.

لقد عبَّر صاحب السُّمو السَّيد مروان بن تركي آل سعيد، محافظ ظفار، عن هذا المعنى بوضوح، حين أشار إلى أن اختلاف المحافظات في طبيعتها وممكناتها وتحدِّياتها يُمثِّل فرصةً كبيرةً للتعلم المتبادل والاستفادة من التجارب المختلفة. ومن هنا انطلق الملتقى بوصفه منتدًى لتبادل الأفكار والرؤى، والوقوف على المشاريع والتجارب، ومناقشة ما يمكن تطويره بما يُعزِّز منظومة اللامركزيَّة في سلطنة عُمان.

إنَّ أجمل ما في هذه التجربة أن استضافة الملتقى تنتقل بين المحافظات، وكل انتقال يحمل معه نافذةً جديدةً على تجربة مختلفة. وما يراه المحافظون خلال زياراتهم الميدانيَّة للمشاريع السياحيَّة والترفيهيَّة والتنمويَّة في صلالة ليس مجرَّد مواقع للزيارة، بل نماذج عمليَّة يمكن دراستها واستلهام ما يناسب منها في محافظات أخرى. وهنا تتحول الزيارة الميدانيَّة إلى أداة تنمويَّة حقيقيَّة؛ لأن بعض الأفكار لا يمكن أن تنقلها الأوراق كما تنقلها المعاينة المباشرة، من خلال رؤية المشروع، والاستماع إلى القائمين عليه، وفهمِ التحدِّيات التي واجهته، ومعرفة أسباب نجاحه. وكلها تفاصيل قد تفتح الطريق أمام تجربة جديدة في مكان آخر.

الملموس في الملتقى الحالي أنه يبدو أكثر نضجًا من مجرَّد استعراض للتجارب. فبعد نحو ثلاث سنوات من الممارسة وتراكم الخبرة، انتقل النقاش إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا ينبغي أن تكون عليه المحافظات في المرحلة المقبلة؟ وهذا السؤال هو الأهم؛ لأن التنمية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود ما تحقق، بل يجب أن تنظر باستمرار إلى ما يمكن تحقيقه. فالمحافظات اليوم، كما أوضح محافظ ظفار، أصبحت تمتلك فهمًا أكثر وضوحًا لاحتياجاتها وأدوارها، وللممكنات التي تحتاج إليها حتى تكون أكثر قدرةً على صناعة التنمية، وأكثر كفاءةً في استثمار مواردها ومزاياها، وأكثر قربًا من احتياجات مُجتمعاتها.

ومن هنا تأتي أهميَّة مناقشة مقترح تطوير منظومة اللامركزيَّة في سلطنة عُمان. فتمكين المحافظات لا يعني فقط منحها أدوارًا أكبر، وإنما يعني مساعدتها على تحويل تلك الأدوار إلى نتائج وأثر ملموس ومستدام. وكلَّما اقترب القرار التنموي من احتياجات المُجتمع المحلِّي، وأصبح لدى المحافظة مجال أوسع للمبادرة والتخطيط والتنفيذ، زادت قدرتها على الاستجابة لخصوصيَّتها، والاستفادة من مواردها، وصناعة حلول أكثر ملاءمةً لواقعها.

كما أن جائزة السُّلطان المُعظَّم لتنمية المحافظات، التي تناولتها إحدى أوراق العمل، تضيف بُعدًا مهمًّا إلى هذه المنظومة؛ إذ تجعل التنافس الإيجابي وسيلةً للارتقاء بالأداء والإنجاز، بحيث يصبح نجاح محافظة حافزًا لغيرها، وتتحول المنافسة من سباق منفصل إلى تنافس يقود في النهاية إلى تقدُّم الجميع.

لا شك أن المرحلة القادمة تحتاج إلى ترسيخ هذه الثقافة أكثر؛ فتصبح المحافظة مصدرًا للمعرفة كما هي مصدر للمشروع، وألَّا تبقى التجارب الناجحة محصورةً في أصحابها، بل تنتقل وتُدرس، ويتمُّ تطويرها وتكييفها بما يناسب المحافظات الأخرى. فالتنمية الحقيقيَّة لا تسير دائمًا في خطٍّ مستقيم، لكنها تصبح أسرع حين لا تضطر كل محافظة إلى اكتشاف الطريق وحدها.

لقد أثبت الملتقى أن التنمية ليست سباقًا بين المحافظات؛ فنجاح محافظة لا ينبغي أن يبقى حبيس حدودها الجغرافيَّة. فحين تنجح تجربة في محافظة، فإن قِيمتها الحقيقيَّة لا تكتمل إلَّا عندما تصبح معرفةً يمكن أن تستفيد منها محافظة أخرى. فالمحافظات ليست جزرًا منفصلةً في بحر التنمية، وإنما أجزاء متكاملة من جسد وطني واحد.

فقد تكون هناك محافظة واجهت تحدِّيًا في استثمار موقعها السياحي، فابتكرت نموذجًا ناجحًا في الترويج أو التنظيم أو إشراك المُجتمع المحلِّي. وقد تكون أخرى نجحت في تحسين الخدمات البلديَّة أو استثمار الأصول أو تمكين المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة. وثالثة ربما وجدت حلولًا مبتكرةً في إدارة الموارد أو تحسين البيئة الحضريَّة. هذه التجارب، إذا بقيت داخل حدود أصحابها، تظل إنجازات محليَّة. أمَّا إذا انتقلت إلى غيرها، فإنها تتحول إلى ثروة من المعرفة المؤسَّسيَّة.

إنَّ عُمان، التي تتطلع إلى مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، تحتاج إلى محافظات مبادرة وفاعلة وقادرة على صناعة القرار التنموي. لكنَّها تحتاج، في الوقت نفسه، إلى محافظات تسمع بعضها بعضًا، وتتعلم من بعضها بعضًا، وتتكامل بدلًا من أن تعمل في مسارات متوازيَّة.

إنَّ ملتقى المحافظين مدرسة وطنيَّة تتبادل فيها المحافظات تجاربها، وتراجع فيها مساراتها، وتبحث معًا عن مستقبل أكثر كفاءة. فحين تنتقل الفكرة الناجحة من محافظة إلى أخرى، ينتقل معها وقت تم توفيره، وتكلفة تمَّ اختصارها، وخبرة تمَّ البناء عليها. وحين تتكامل المحافظات، لا يصبح نجاح واحدة منها نجاحًا منفردًا، بل لبنةً جديدةً في بناء عُمان كلها.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني