الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : نحو صناعة الإعلامي المسؤول فـي زمن الظواهر الصوتية

في العمق : نحو صناعة الإعلامي المسؤول فـي زمن الظواهر الصوتية
الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

10

ماذا يعني أن أكون إعلاميًّا؟

سؤال يطرح حضوره بقوَّة في الساحة الإعلاميَّة، في ظل تداعيات التطورات الإقليميَّة التي تشهدها المنطقة على مختلف المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والعلاقات الدوليَّة والسياسيَّة وتشكيل هُوِيَّة المنطقة، والتي يُفترض أن يمارس فيها الإعلام دور الحكمة والمهنيَّة والمسؤوليَّة واستنطاق القِيَم واستحضار الخصوصيَّة والمشتركات العربيَّة الإنسانيَّة.

غير أن ما باتتْ تطرحه بعض أجندات الإعلام وتبثُّه من متناقضات وخروج عن المألوف والفطرة السليمة والسلوك المهني في إبداء الرأي والرأي الآخر، بات يطرح الكثير من التساؤلات العميقة والغايات التي أرادت أجندة الإعلام تحقيقها من سياسة الإقصاء والكيل بمكيالين في قراءة مسار المواجهة، الأمر الذي انعكس ليس فقط على الوسيلة الإعلاميَّة وما حملته من كومة التراكمات السلبيَّة، لتضع الإعلام، الذي يفترض أن يُمثِّل صوت الحكمة والعدل والمهنيَّة والمسؤوليَّة، في غير هدفه، وتسخّره لغير غاياته، وتوجّهه لمسارات أخرى تفتقر لمعاني الإنسانيَّة في شموخها ونبلها وسُموِّها وتساميها فوق كل صيحات الاغتراب الخُلقي والاختزال القِيَمي.

لذلك تؤسِّس أخلاقيَّات الرسالة الإعلاميَّة في كونها رسالة خير موجهة لصالح الإنسان والتنمية، وتصُبُّ في هدف الارتقاء بإنسانيَّته وتعزيز كرامته، في ظل قِيَم الحُب والوئام والتَّواصل والسَّلام والتَّسامح والتَّقارب والتَّنمية والتَّطوير والوعي والحسِّ المسؤول، وما تبنيه في الأجيال من آمال وتفاؤل وإيجابيَّة، وإعادة رسم صورة الواقع والمستقبل بما يحفظ للأجيال حضورها وموقعها في قلب هذا العالم.

وبالتَّالي، أن تنتقل الممارسة الإعلاميَّة من حالة المزاجيَّة والفردانيَّة والفوقيَّة والاستعلاء وشراء الذِّمم، ومستنقع السقوط الأخلاقي أو تكريس لُغة الإحباط والتنمُّر والتذمُّر والضيق، والتنكُّر للحقائق والهروب من الواقع، أو حالة التزييف التي يعيشها إنسان العصر في بعض بلدانه، عبر ما ولَّده بعض الخطاب الإعلامي من تناقضات، وما أصَّله من كراهية، وما أوجده من مذهبيَّة، وما أطَّره من تشريع أسباب الخلاف وتعظيم فجوة التباين، وما أوجده من حوارات مسيئة ودخوله في قضايا خلافيَّة تستنزف طاقات الشَّباب، وتوجيه أفكارهم إلى قتامة الصورة وضبابيَّة المسار، في ظلم لحقِّ الأوطان، وتغييب للثوابت، أو استجابة لضمير المسؤوليَّة، فوُجِّهت قنواته الفضائيَّة وصحافته، وسُخِّر المتحدثون الإعلاميون ووحوش الشاشات نحو إثارة الأحقاد والكراهية، والنبش في قضايا خلافيَّة ومذهبيَّة وطائفيَّة، سَعَت للتأثير في عقول الشَّباب بأفكار واهية، ومعلومات مزيفة، وإعلام يركز على السقطات، يمحو قِيمة الأخوَّة، ويتناسى كل لقاءات الودِّ وتصريحات الشجن والتواصل.

ويعكس حالة من الانفصام في شخصيَّة الإعلام عامَّة، والإعلامي بشكل خاص، فتضيع هُوِيَّة رسالته في وحل الأنانيَّة والشماتة والاستفزاز وتشويه صورة الحقِّ والتملُّق، ويتخلى عن منظومة القِيَم التي توجهه، والأُطر التي تحدِّد معالم عمله، بحجج واهية، وتصرفات عقيمة، وموجّهات تتنافى ومنظومة الأخلاق والقِيَم، وتتجافى ومسارات العمل من أجل الإنسان واحترام وجوده، وتقدير كفاءته، فيصبح كالدمية تتنازعه الأهواء، وتحركه الأشخاص، فيصبح هدفًا يُنال به الطُّعم، ويُثار بسببه الخلاف، ومدخلًا لترويج الإشاعة، وإبعاد الناس عن أولويَّاتهم، ولَيْته لو آمن بالمشترك القِيَمي والمؤتلف الإنساني، فبنى عليه مرحلة مُتجدِّدة من العمل المسؤول، فرسَّخ عادات ومبادئ الرسالة الإعلاميَّة، وعظَّم من قواعد الإعلام المتوازن، والتزم بها واتبع هداها، وتمسَّك بزمامها في إدارة المواقف الإعلاميَّة، وتناول قضايا المنطقة وأحداثها وتداعياتها بكل مهنيَّة ومصداقيَّة، ليتجاوز بوحه وقلمه كل أشكال الخلاف والتنميط الإعلامي، لتقوى الثقة، وتنتصر الإرادة، وتنمو الفضيلة، وتقوى الريادة الإعلاميَّة لديه.

إنَّ قدرتنا على الإجابة على التساؤل، وامتلاكنا بدائل وموجهات العمل، وثقتنا بأنه يمكننا أن نُعيد رسالة الإعلام إلى هدفها الذي جاءت من أجله، وغاياتها السَّامية التي برزت في سبيلها، هو ما يقينا حجر العثرة وشبهات الزلة، وينبِّهنا لمكان الخطأ، ويبصِّرنا بموقعنا في هذا العالم الواسع.

وبالتالي كيف لنا كإعلاميين حاملين قضيَّة أُمَّة، أينما كنَّا، وتحت أيِّ مُسمَّى إعلامي، وفي أيِّ موقع، في إذاعة أو شاشة فضائيَّة، أو جريدة، أو صحيفة إلكترونيَّة، أو حتى في صفحاتنا الشخصيَّة في منصَّات التواصل الاجتماعي، أو في حواراتنا وتعليقاتنا وتعقيباتنا على ما يُنشر في هذه المنصَّات أو أيِّ وسيلة إعلاميَّة كانت. إنَّ مسؤوليَّاتنا أن نترك بصمات التفاؤل مفتوحة، ومحدّدات الإنجاز ماضية، لتلمُّس الواقعيَّة في القول أو الفعل في ظل ميزان الحقِّ والعدل، ومقاييس الموضوعيَّة والشفافيَّة والصِّدق.

وبالتَّالي قدرتنا على تحديد معالم هُوِيَّتنا الإعلاميَّة، التي تنير لنا درب الكلمة، وتثبت لنا مصداقيَّة المعلومة، وقدرتها على الدخول في عالم المنافسة والقراءة والاقتباس، لتُضخَّ في البناء الفكري للإنسان، والتطوير المنهجي لمسارات التنمية، وتعميق منظور التفاؤل والإيجابيَّة والموضوعيَّة التي تقرأ العالم وأحداثه بموازين وموجّهات تبني لنا حصون السَّلام والوئام، وتخلق لنا مساحات أكبر للتأمل العميق في كيف يمكن أن نصوغ من رسالتنا الإعلاميَّة وموقعنا الإعلامي ميثاق الأخلاق وميزان الصِّدق وبوح الكلم الطيِّب، ليكون لنا نبراسًا ومنهجًا وعلامة وهُوِيَّة ودليلًا يحكم الآخرون به علينا بعد رحيلنا.

إنَّه تعبير أصيل عن جوهر القِيَم وعمق الأثر الذي تصنعه الكلمة الطيِّبة كالشجرة الطيِّبة التي لا تنبت إلَّا طيِّبًا، لتتجاوز صيحات الأفواه وقشور الكلام، في ظل احترام أفكار الآخرين وعدم مصادرتها أو إقصائها، واختيار نوع الكلمة والصورة والعنوان بعيدًا عن الإساءة أو تشويه السمعة أو التشهير بأحد، إلَّا في ظل ما يجيزه القانون، فتتجه الرسالة الإعلاميَّة لحمل هموم المواطن وطموحاته، وتتبنى مبادرته، وتقدّم مداخل تطورها في ثوب التسامح والذَّوق، وهيبة الكلمة ومصداقيَّتها.

فأن أكون إعلاميًّا، فأنا مسؤول عن صدق الكلمة، وما تحمله من فرص الخير والأمن والاستقرار والتكيُّف مع الواقع وقراءة مسوِّغاته، والإجابة عن تساؤلاته، تصنع التجديد وتبني الجديد، وتتعمق في المغزى، وتقرأ حكمة المعنى، فتسمو في سماء القِيَم، وتنمو في عرين الصِّدق، وتبرز في ثوب الحكمة، وتنشط في قوَّة المبدأ، وتنافس في احترافيَّة، وتشخّص لتبدأ قصَّة التجديد، لن يأفل بريقها، أو يذهب لمعانها، أو يخفت صوتها، أو تضيع هيبتها، فمصداقيَّة الكلمة عهد، والاحتواء بها مدخل يقيني لتجاوز العثرة وسوء التصرف، لتكون بمثابة استراحة محارب لنقل صوت الحكمة في مقارعة أصوات القطيعة والتهديد، لتبقي الخيارات الراقية مفتوحة، ودلائل العمل بارزة، وشواهد العطاء مثبتة.

لذلك كانت الحقيقة الصَّامتة وإن كانت مُرَّة، قوَّة صامدة في وجْه كل أشكال الترف والاستنزاف الإعلامي، أن أحمل رسالة السَّلام والوئام للعالم أجمع في صدق الكلمة ومنطق الحوار وتقبُّل الرأي الآخر والاستماع لوجهات النظر، وعرضها في ثوب التوازن والحكمة، دون إجحاف في حقِّ أحد، بعيدًا عن الذاتيَّة المفرطة، أو المدح المذموم، والإعجاب السلبي الذي يقتل أمل التجديد، أو يُضعف مقصد التغيير، أو يهمّش روح المبادرة والعطاء، فتكون القراءات متجاوبة مع الحقِّ والعدل، داعية إلى التضامن، عاملة بمنهج التقارب، آخذة بيد الجميع نحو بَر الأمان.

إنَّ مسؤوليَّتي كإعلامي أن أقرأ بوعي كل التجاذبات، وأدرسها وأمحِّصها، وأجتهد في فلترتها، وأزنها بميزان الموضوعيَّة والاعتدال، ومنهج البحث والتقصِّي، ملتمسًا الدليل، وليكُن اتجاهي حيث وافق الحقّ والعدل، والتزم الموضوعيَّة والصِّدق، وارتبط بهُوِيَّتي الإنسانيَّة الراقية، التي تحمل الأخلاق نهجًا تطوف به في سماوات الأرض المفتوحة، والفضاءات الرقميَّة الواسعة، فأحسن الاختيار، وأصدق المقال، وأقرأ ما بين السطور، كما تهمني الأرقام والمؤشِّرات، وتفرحني الإنجازات والمبادرات والابتكارات، لتكن كلمتي في فِقه وعي، وحُسن خلق، وضمير مسؤول، وقراءة عميقة لِمَا بين السطور.

أخيرًا، لقد جسَّدت سلطنة عُمان في سياستها الإعلاميَّة الثابتة الصورة النموذج في الإعلام الناضج والإعلامي المسؤول، في جمعها بين الضوابط والمعايير ومهنيَّة الرسالة، للمحافظة على درجة التوازنات في صناعة إعلام الهُوِيَّة والقِيَم والتنمية والإنسانيَّة والمشتركات والسَّلام، لِتظلَّ رسالة الإعلام نُهُجًا أصيلة تُمارس في نطاق المسؤوليَّة واحترام الذَّوق والنظام العام والثوابت الوطنيَّة والأخلاقيَّة للمُجتمع.

ومع ذلك فإن حُريَّة الكلمة والتعبير عن الرأي، التي مُنحت للإعلامي كحقٍّ أصيل له، لا تعني بأيِّ حال من الأحوال الخروج غير المنضبط على النَّص، أو مدخلًا للإساءة أو التشهير أو بث الكراهية وإثارة الفتن، بل هي مسؤوليَّة أخلاقيَّة ووطنيَّة تُسهم في تشكيل الوعي الجمعي، وتعزيز الاستقرار وترسيخ قِيَم المواطنة والانتماء.

من هنا جاءت مواد قانون الإعلام العُماني لتُؤكِّد هذه المرتكزات الأصيلة والثوابت الجوهريَّة، وتستحضر هذه الإجراءات الثابتة التي تضع الإعلامي أمام مسار واضح، ومنهج رصين، ومحتوى مُثرٍ، وأداء حكيم، والتزام ذكي في تحرِّي الدقَّة والمصداقيَّة، وشريكًا في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، لِيظلَّ نهج أبناء عُمان وسام شرف وفخر لكل الشرفاء، أصحاب الحقِّ وصنَّاع الكلمة الطيِّبة في زمن الهشاشة الفكريَّة والظواهر الصوتيَّة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]