تُمثِّل ذكرى المولد النبوي الشريف ـ على صاحبها أفضل الصَّلاة والسَّلام ـ مناسبةً جليلة تتجدد معها معاني المَحبَّة والاقتداء، ويستحضر فيها المسلمون سِيرة خير الورى، وما حملته رسالته من نور وهداية ورحمة للعالمين. فقد جاء النَّبي محمد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بمنهج متكامل لبناء الإنسان على الإيمان والعِلم ومكارم الأخلاق، وإقامة المُجتمع على العدل والتراحم والتكافل وصون الكرامة الإنسانيَّة. ومن هنا تتجاوز دلالات الذكرى الخالدة حدود الاحتفاء بالمناسبة إلى تجديد الصِّلة بالسِّيرة النبويَّة، وتأمل ما تزخر به من دروس قادرة على توجيه حياة الفرد وإصلاح علاقاته، وتعزيز مسؤوليَّته تجاه أُسرته ومُجتمعه ووطنه، فمَحبَّة الرسول الكريم تستقر في القلوب، وتظهر آثارها في الأقوال والأعمال، وتصبح أكثر رسوخًا كلَّما تحوَّلت تعاليمه إلى سلوك يومي يراه النَّاس في الصِّدق والأمانة وحُسن المعاملة وإتقان الواجب.
ولعلَّ حاجة عالمنا المعاصر إلى الأخلاق التي رسَّخها الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ تزداد مع اتِّساع مظاهر الماديَّة، وتصاعد النزاعات وخطابات الكراهية والتعصُّب، وتراجع مساحة الحوار في كثير من المُجتمعات. فقد قدَّمت السِّيرة النبويَّة نموذجًا رفيعًا للرحمة بالإنسان، واحترام كرامته، والتعامل مع الاختلاف بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أرسَتْ قِيَم العفو والتَّسامح والإصلاح بين النَّاس، وجعلت العدل أساسًا لصيانة الحقوق واستقرار المُجتمعات، وهي قِيَم لا تفقد صلاحيَّتها بتغيُّر الأزمنة، ولا تنفصل عن احتياجات الإنسان أينما كان، واستحضارها مع هذه المناسبة يمنح الاحتفاء بالمولد النَّبوي بُعدًا حضاريًّا، يواجه التعصُّب بالاعتدال، والفرقة بالتَّآخي، والقسوة بالرحمة، ويُعيد تقديم رسالة الإسلام في صورتها المشرقة القائمة على السَّلام والتَّعايش والتَّعاون لِمَا فيه الخير.
ويبدأ الاقتداء الحقيقي بخير الورى من التَّفاصيل التي تصنع حياة النَّاس، داخل البيوت ومؤسَّسات التعليم ومواقع العمل والأسواق ومختلف فضاءات المُجتمع. فالصِّدق في الحديث، والأمانة في أداء المسؤوليَّات، والرحمة بالصغير، وتوقير الكبير، وبِر الوالدين، وحُسن الجوار، والوفاء بالعهود، وإغاثة المحتاج، كلُّها تطبيقات مباشرة للسِّيرة النبويَّة. كما أنَّ إتقان العمل والمحافظة على الحقوق والممتلكات العامَّة وخدمة الوطن بإخلاص تدخل في جوهر المسؤوليَّة الأخلاقيَّة التي أرساها الإسلام، وتحلَّى بها صاحب الذِّكرى العطرة. ويقع على الأُسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام واجب مشترك في تعريف الأجيال المتتالية، بالسِّيرة بأُسلوب يربط أحداثها بواقعهم، ويجعل منها مَعينًا لتكوين الشخصيَّة المتوازنة، القادرة على الجمع بين الثَّبات على القِيَم والانفتاح الواعي على مقتضيات العصر، لتنشئة مُسلِم يعي حقيقة دِينه، ويجسِّد قِيَمه في سلوكه، ويكون سفيرًا أمينًا لرسالته السَّمحة.
إنَّ إحياء ذكرى المولد النَّبوي الشَّريف يكتسب أثَره الأعمق عندما يتحول إلى طاقة مُتجدِّدة للخير والعمل النَّافع، فتتَّسع مبادرات التَّكافل، وترعى الأُسر المحتاجة، ويصلح النَّاس ذات بينهم، وتنتشر الكلمة الطيِّبة، وتتعزز روح المسؤوليَّة والتَّعاون، وتصبح المناسبة بداية لمراجعة السُّلوك وتجديد العهد بالسَّير على هدي المصطفى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ طوال العام، فالأُمم تحتاج إلى القدوة التي تهذِّب قوَّتها، والقِيَم التي تضبط تقدُّمها، والرحمة التي تحفظ تماسُكها. وقد ترَكَ لنا الرسول الكريم سِيرة غنيَّة بالدروس والمواقف التي تمنح الإنسان بوصلة أخلاقيَّة واضحة في أوقات اليُسر والشدَّة، لِيبقَى الاحتفاء الأصدق بمولده في حُسن الاقتداء به، ونشر مَحبَّته من خلال العمل، وبناء مُجتمع تَسُوده الرَّحمة والعدالة والتَّآخي والسَّلام.