من أهمِّ شرائح المُجتمع والوظائف الحكوميَّة التي تحتاج إلى فنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت: الكادر الإعلامي والصحفي؛ لأن أيَّ خلل، سواء في التعبير اللُّغوي أو لُغة الجسد، سوف ينعكس سلبًا، ليس على الشخص، وإنما على الجهة التي يعمل فيها، وقد يُفسَّر بنيَّات سيئة أو مبطَّنة. لذلك، تتفاخر الجهات الإعلاميَّة الرصينة بأنَّها تصقل مهارات كوادرها كل فترة بحلقات متخصِّصة في فنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت الإعلامي. وبالتَّالي، فإن هذه الشخصيَّة سوف تكون بأعلى درجات الحرفيَّة والكفاءة في تنفيذ ما تمَّ إسناده إليها. ولكون الكادر الإعلامي من أكثر الوظائف تماسًّا مع جميع الفعاليَّات الرسميَّة والاجتماعيَّة، وكذلك في جميع الأوقات والأماكن، بالإضافة إلى أنه يلتقي بكبار الشخصيَّات ومختلف الدرجات الوظيفيَّة؛ فإنه ليس كالمدقق أو المحاسب أو مهندسي الاتصالات وغيرهم.
دأبت أغلب الجامعات والمدارس الإعلاميَّة في المملكة المُتَّحدة على الاهتمام بكاريزما الإعلامي، ليس فقط من ناحية تحرير الخبر وإعداده؛ لأن الذكاء الاصطناعي والبرامج الأخرى دخلت الآن، وهي تكاد تحتل مكانة المراسل في إعداد الخبر وصياغته بعد تغذيتها بالمعلومات المطلوبة، ولكن كاريزما الإعلامي تحتاج إلى حلقات عمليَّة مكثَّفة في إتيكيت اللقاءات الصحفيَّة والإعلاميَّة وفنِّ الدبلوماسيَّة. ومن أهمها: معرفة نوع وطبيعة ومنصب وتاريخ الشخصيَّة التي سوف يقابلها، وبالتَّالي تبدأ هنا مهارة وفنُّ إدارة اللقاء والحديث، مستوى نبرة الصوت، اختيار الكلمة المهذبة وتسلسل الأفكار، إتيكيت الجلوس والمشي، لُغة الجسد والتواصل بواسطة نظرات العين، عدم استخدام اليد أو رفعها أثناء الكلام، إتيكيت اختيار ألوان الملابس النهاريَّة والليليَّة، عدم المزح والخروج عن جوهر المقابلة، اختيار الهندام الخارجي المناسب، إدارة الوقت في اللقاء قَبل الحضور وبعد انتهائه، عدم وضع إحدى الرِّجْلين فوق الأخرى، إتيكيت فنِّ الاستماع والإصغاء والإنصات، مهارة طرح الأسئلة والاستفسارات في الوقت المناسب، وعدم التقليل من أهميَّة الطرح بواسطة لغُة الجسد والحركات الإيمائيَّة. وفي ختام أيِّ لقاء، من الضروري جدًّا تقديم الشكر والتقدير للضيف، والاعتذار عن قَبول دعوات الطعام والهدايا؛ لأنها سوف تُفسَّر بأمور لا تُحمد عقباها.
وبالنسبة للمرأة، عليها عدم المبالغة في المكياج، وأن تكون الملابس محتشمةً، بالإضافة إلى عدم لبس الذَّهب والمجوهرات والإكسسوارات التي لا معنى لها، وكذلك نوع الحقيبة، حتى إن بعض المدارس الدبلوماسيَّة المتخصصة بكاريزما المرأة الإعلاميَّة تذهب إلى نوع الحذاء.
يتسابق كثير من الدول والجهات الرسميَّة إلى إشراك رجال الإعلام والصحفيين في حلقات خاصَّة بمفاهيم البروتوكول والإتيكيت والمهارات الدبلوماسيَّة؛ لغرض تطوير مهاراتهم في لُغة الجسد وفنِّ إدارة الحديث في اللقاءات الصحفيَّة والإعلاميَّة، لكونهم يُمثِّلون أهمَّ شريحة وظيفيَّة في المُجتمع، وهم في تماسٍّ مع جميع أنواع الأحداث والمجالات والشخصيَّات، وفي جميع الأوقات، في السِّلم والحرب والأزمات. لذلك، لا يمارس الإعلامي في بريطانيا عمله إلَّا بعد مشاركته في حلقات لا تقلُّ عن (20) ساعة في فنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت الحكومي بما يمسُّ نشاطه. ومن الضروري جدًّا أن تكون كاريزما الصحفي والإعلامي محنكةً وذات مصداقيَّة عالية في نقلِ الخبر والحدث، بالإضافة إلى إدارة اللقاء بحرفيَّة وكفاءة؛ لإيصال الرسالة إلى الجمهور بكل سلاسة وإتقان.
في بداية مقالنا المتواضع هذا، علينا التمعن والتعرف إلى الفرق بين الصحفي والإعلامي. فالصحفي مهنة ووظيفة مُحدَّدة المعالم والمسؤوليَّات، من ضمنها التركيز والعمل على جمع المعلومات والأخبار بمصداقيَّة عالية، ثم البدء بصياغة الخبر وتحريره؛ لكي يُبث في الصحف والوكالات الإذاعيَّة والتلفزيونيَّة. أمَّا الإعلامي فهو يشمل جميع الوظائف الإعلاميَّة، مثل: (مُعِدّ البرامج، مقدِّم البرامج، المذيع، المنتج، صنَّاع المحتوى الإعلامي أو ما يُسمَّى بالدبلوماسيَّة الشعبيَّة، والمتحدث الرسمي للجهة). وبالتَّالي، يكون الصحفي والمراسل مُحدَّدَي الوظيفة، أمَّا الإعلام فهو مصطلح شامل، ويحتوي في طيَّاته أغلب الوظائف التي تعمل في هذا المجال.
يُعَدًّ الإعلام ورجاله، بجميع أنواعه، الواجهة الرئيسة لكل العلوم والأنشطة ومجالات الحياة، سواء الرسميَّة أو الاجتماعيَّة. لذلك، اهتمَّت الجامعات الأوروبيَّة، وخصوصًا في بريطانيا، بالمجال الإعلامي وكاريزما الإعلامي، وبدأت تتعمق وتخصص لكل إعلامي هُوِيَّته ومجاله. فالشخص الذي يعمل في المجال الاقتصادي يختلف كليًّا عن الإعلامي في المجالات الأخرى التي تُدرَّس الآن، ومنها: (الإعلام الدبلوماسي، والسياسي، والصحِّي، والاقتصادي، والنفطي، والعسكري، والثقافي، والأكاديمي، والرياضي، والطبِّي، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات)، وغيرها من المجالات التي وُضعت لها أُسس للتعامل معها.
في الختام، الإعلاميون والصحفيون هم أكثر الفئات التي تحتاج إلى فنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت؛ لأنهم واجهة المُجتمع في نقل الخبر والحدث بكل حرفيَّة وكفاءة.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت