الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : تمكين المرأة العُمانية صنعته الإنجازات لا الشعارات

في الحدث : تمكين المرأة العُمانية صنعته الإنجازات لا الشعارات
الثلاثاء - 25 أغسطس 2026 02:50 م

طارق أشقر

10

المتابع لمَسيرة تمكين المرأة بسلطنة عُمان، يتبين له بأن التجربة العُمانيَّة بهذا المجال مختلفة في جوهرها وأسلوبها، إذ إن سلطنة عُمان لم تجعل من تمكين المرأة شعارًا سياسيًّا يرفع في المناسبات أو ينشر بتقارير تحسين الصورة الذهنيَّة للدول، ولا ملفًّا إعلاميًّا يتمُّ استدعاؤه كلَّما دعت الحاجة إلى تحسين المؤشرات الدوليَّة، إنما تعاملت معه ـ كما يبدو ـ كجزء أصيل من مشروع الدولة الحديثة، يقوم على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، ويُقاس بالمسؤوليَّات التي تتولاها المرأة، وليس بعدد المؤتمرات التي تتناول قضايا المرأة.

إنَّ التمكين الحقيقي كما هو واضح عمليًّا في سلطنة عُمان لا يُقاس بالخطب الرنَّانة، إنما يتمُّ قياسه عندما تصبح المرأة سفيرة أو مسؤولة تدير مؤسَّسة متخصِّصة أو طبيبة تنقذ الأرواح أو مُعلِّمة تبني الأجيال للمستقبل، أو ضابطة أو غير ذلك. وهذه هي الصورة التي تقدِّمها عُمان اليوم، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي.

ولعلَّ ما يُثير الانتباه والإعجاب أن شهر أغسطس الجاري وحده شهد تعيين سعادة ميثاء بنت سيف المحروقي سفيرة فوق العادة ومفوَّضة لسلطنة عُمان لدى أوكرانيا، وتعيين سعادة نصراء بنت سالم الهاشمي سفيرة فوق العادة ومفوَّضة لدى جمهوريَّة رواندا وذلك في تأكيد جديد على الثقة التي تُوليها الدولة للكفاءات النسائيَّة في تمثيل البلاد بالخارج.

وفي الشهر نفسه، ترأست سعادة السفيرة آمنة بنت سالم البلوشي المندوبة الدَّائمة لسلطنة عُمان لدى منظَّمة اليونسكو، وفد بلادها المشارك في أعمال لجنة التراث العالمي بمدينة بوسان بجمهوريَّة كوريا، لِتواصلَ المرأة العُمانيَّة حضورها المُشرِّف بأهمِّ المنابر الدوليَّة.

إنَّ إنجازات المرأة لهذا الشهر ليست استثناءً بالمشهد العُماني أو حدثًا فرضته الظروف، بل هو امتداد لمَسيرة طويلة من بناء الثقة في المرأة العُمانيَّة وإعدادها علميًّا وعمليًّا حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من السِّلك الدبلوماسي ومنظومة صنع القرار والعمل التنفيذي بالدولة.

فالمرأة العُمانيَّة اليوم تُمثِّل بلادها بعددٍ من السفارات والبعثات الدبلوماسيَّة، كما تشارك بأعمال العديد من المنظَّمات الإقليميَّة والدوليَّة، وهو حضور لم يتحقق بالمحاصصة، وإنما بالكفاءة والجدارة.

كما رسَّخت عُمان حضور المرأة بمؤسَّساتها التشريعيَّة والاستشاريَّة، حيث تشارك في مجلس الدولة، وتحظى بتمثيل في مجلس الشورى، فيما جاءت الَّتوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بشأن تخصيص أحد عشر مقعدًا إضافيًّا في مجلس الشورى، مؤكِّدةً أن الدولة تنظر لمشاركة المرأة كضرورة وطنيَّة تُعزِّز جودة العمل البرلماني، وتوسِّع قاعدة المشاركة المُجتمعيَّة في صناعة القرار.

ولا يقف هذا التمكين عند حدود السياسة والدبلوماسيَّة، بل يمتدُّ لمختلف قطاعات الدولة، فأصبحت المرأة العُمانيَّة شريكًا أساسيًّا بمَسيرة التنمية الاقتصاديَّة وتشغل مواقع قياديَّة بالمؤسَّسات الحكوميَّة والشركات المملوكة للدولة، ومؤسَّسات القطاع الخاص. كما برزت في ريادة الأعمال والقطاع المالي والهندسة وتقنيَّة المعلومات والإعلام، والقانون والبحث العلمي والابتكار، وفي العمل التطوعي والمبادرات المُجتمعيَّة. إنَّه حضور متنوع يعكس إيمان الدولة بأن التنمية لا يمكن أن تكتمل إذا بقي نصف المُجتمع خارج معادلة البناء.

وتُؤكِّد الإحصاءات الرسميَّة الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في «مرصد المرأة العُمانيَّة» بأن المرأة حققت حضورًا لافتًا بمختلف مؤشِّرات التنمية البشريَّة، وتُشكِّل نسبة مرتفعة من الملتحقين بالتعليم العام والعالي، كما تسجِّل حضورًا واسعًا بالقطاع الصحِّي، كطبيبة أو ممرضة أو بالتخصُّصات الصحيَّة المختلفة، فضلًا عن تزايد مشاركتها في سوق العمل. إذ تجسِّد هذه المؤشِّرات استثمارًا وطنيًّا طويل الأمد في الإنسان العُماني رجلاً وامرأةً على حدٍّ سواء.

كما تتميز التجربة العُمانيَّة بأنها لم تجعل من تمكين المرأة قضيَّة صدام مع المُجتمع، بل ربطت بين التقدُّم ومراعاة الخصوصيَّة الثقافيَّة، فنجحت في بناء نموذج متوازن يجمع بين المحافظة على الثوابت الاجتماعيَّة، والانفتاح على متطلبات العصر باتِّزان، لِيصبحَ تمكين المرأة جزءًا طبيعيًّا من عمليَّة التنمية، وليس مشروعًا أيديولوجيًّا يثير الانقسام.

وهنا تتجلى إحدى أهمِّ سِمات النهضة العُمانيَّة الحديثة التي لم تمنح المرأة دورًا شكليًّا لإرضاء التقارير الدوليَّة، إنما منحتها الثقة، ثم تركت الإنجاز يتحدث عنها. ولذلك ليس مستغربًا أن تحصد المرأة العُمانيَّة التقدير داخل السلطنة وخارجها، وأن تصبح نموذجًا للكفاءة المهنيَّة والانضباط والمسؤوليَّة في كل موقع أوكل إليها.

وهكذا تُؤكِّد التجربة العُمانيَّة عمليًّا أن التمكين الحقيقي ليس بيانات، بل إنه عمل ملموس في الميدان يظهره عدد المسؤوليَّات التي تحملها المرأة بكفاءة واقتدار، وهذا بالضبط ما تقدِّمه سلطنة عُمان واقعًا معاشًا تُؤكِّده الوقائع وتشهد عليه الإنجازات.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»