الاثنين 24 أغسطس 2026 م - 11 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : البروفيسور حمود الدغيشي.. «وكان فضل الله عليك عظيما»

رحاب : البروفيسور حمود الدغيشي.. «وكان فضل الله عليك عظيما»
الاثنين - 24 أغسطس 2026 02:53 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

10

من المدهش أن تبدأ رحلة إنسان بشهادة الإعدادية العامة، وبدرجات لم تكن تؤهله لمواصلة المرحلة الثانوية، كما كان يتمنى، ثم تنتهي به الرحلة أستاذًا جامعيًّا وأديبًا وباحثًا ومُحكِّمًا للأعمال الأدبية.

إنها قصة الدكتور حمود الدغيشي، التي تُقدِّم درسًا بليغًا في الإرادة وعدم الاستسلام للأحكام المبكرة على قدرات الإنسان.

أنهى (حمود) المرحلة الإعدادية، لكن درجاته لم تؤهله للالتحاق بالثانوية، فالتحق بالتعليم المهني الذي لم يجد نفسه فيه، وتركه بعد بضعة أشهر.

وكانت أسرته بحاجة إلى مورد يعينها على أعباء الحياة، فبدأ يبحث عن أي وظيفة يستطيع من خلالها مساعدة أسرته.

وساقته الأقدار يومًا إلى المنتدى الأدبي في السيب بمسقط.

دخل يحمل شهادته الإعدادية وطلبًا للتوظيف، وقدمه إلى موظف الاستقبال، الذي نظر إليه مستغربًا دون أن يبدي اهتمامًا يُذكر.

غادر (حمود) المكان بلا وظيفة ولا وعد، وربما كان مستعدًا يومها لقبول أي عمل شريف؛ فرّاشًا أو مراسلًا أو غير ذلك.

لكنَّ الله كان يُهيئ له طريقًا آخر،

فبعد سنوات أتيحت له فرصة لمواصلة تعليمه في إحدى الدول، وبعد عام من الكفاح والغربة حصل على الثانوية العامة، فالتحق بالجامعة ودرس اللغة العربية.

وهناك برزت موهبته الأدبية، وإن كانت علاقته بالكتاب قد بدأت منذ طفولته.

فقد كانت في الحي مكتبة متواضعة، وكان يمرُّ بها وينظر بشغف إلى كتب عميد الأدب العربي طه حسين.

ولأنه لم يكن يملك ثمنها، كان يوفر المئة بيسة التي يأخذها إلى المدرسة حتى يجمع قيمة كتاب.

وكان أحيانًا يأخذ سمكة من صيد والده، فيبيعها ويشتري بثمنها كتابًا.

يا لها من صورة جميلة: سمكة تتحول إلى كتاب، والكتاب إلى معرفة، والمعرفة إلى حلم، والحلم إلى مستقبل.

تخرّج (حمود) في الجامعة، ثم واصل دراسته فحصل على الماجستير، ثم الدكتوراه، وأصبح معروفًا في الأوساط الأدبية والثقافية، وأستاذًا للأدب العربي، ومشاركًا في تحكيم الدراسات والأعمال الأدبية.

وذات يوم تلقى اتصالًا من المنتدى الأدبي نفسه، ولكن هذه المرة لم يكن طالب وظيفة، بل كان المنتدى يدعوه بكل تقدير ليكون عضوًا في لجنة تحكيم إحدى مسابقاته.

عاد (حمود) بعد نحو عشرين عامًا إلى المكان الذي خرج منه يومًا بلا وظيفة، لكنه عاد أُستاذًا وأديبًا ومُحكِّمًا، وهو يردد قول الله تعالى:(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا).

تخبرنا هذه القصة ألا نتعجل في تفسير الأبواب التي تغلق أمامنا، فربما يكون الباب الذي نحزن لإغلاقه هو نفسه الذي يدفعنا إلى طريق أفضل.

ولو حصل (حمود) يومها على وظيفة بسيطة، ربما استقر فيها وأخذته مسؤوليات الحياة بعيدًا عن التعليم.

إن نتيجة امتحان لا تختصر قدرات الإنسان، والتعثر لا يُصدِرُ حكمًا نهائيًا على مستقبله.

وأجمل ما في قصة (حمود) عندي ليس الدكتوراه ولا الأستاذية، وإنما ذلك الصبي الذي كان يوفّر مئة بيسة، ويبيع سمكة من صيد أبيه ليشتري كتابًا.

كان من حيث لا يدري يبني مستقبله صفحة بعد صفحة.

وكم من شيء أحبطنا لأننا لم نحصل عليه، ثم اكتشفنا بعد سنوات أن الله حين منعه عنا لم يحرمنا، وإنما اختار لنا ما هو أفضل.

د. أحمد بن علي المعشني

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية