الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : الأمن الغذائي منظومة إنتاج واستثمار مستدامة

الاثنين - 24 أغسطس 2026 03:00 م

رأي الوطن

20

يُمثِّل الأمن الغذائي أحَد المرتكزات الأساسيَّة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وترتبط قدرته على مواجهة المتغيِّرات بوجود قاعدة إنتاجيَّة وطنيَّة متنوِّعة، تستثمر الموارد المتاحة بكفاءة، وتَضْمن استمرار تدفُّق المنتجات إلى الأسواق بمستويات مناسبة من الجودة والكلفة. ومن هذا المنطلق تحمل المؤشِّرات التي سجلتها محافظة شمال الشرقيَّة دلالات مهمَّة على اتساع النشاط الزراعي والحيواني والسمكي، ودخول الاستثمار الخاص بصورة أكبر في المشروعات الإنتاجيَّة، حيث شهد عام (2026) طرح (46) فرصة استثماريَّة، إلى جانب (22) عقدًا موقعًا ومرفوعًا لاستكمال إجراءات التوقيع النهائي، بقِيمة تقدَّر بنحو (74.3) مليون ريال عُماني، وعلى مساحة تتجاوز (431) فدانًا. ويُؤكِّد هذا التوجُّه أنَّ تعزيز الأمن الغذائي أصبح مسارًا اقتصاديًّا متكاملًا، يجمع زيادة الإنتاج وتنويعه مع استقطاب الاستثمارات وتوفير فرص العمل، وتنشيط الاقتصادات المحليَّة في المحافظات.

ولعلَّ تنوع الإنتاج في شمال الشرقيَّة يكشف عن قاعدة واسعة يمكن البناء عليها لرفع معدَّلات الاكتفاء الذَّاتي، وتقليل التعرُّض لتقلُّبات الأسواق الخارجيَّة وسلاسل الإمداد العالميَّة. فقد بلغ الإنتاج الزراعي خلال عام (2025) نحو (277) ألفًا و(257) طنًّا، وسجَّل القطاع نموًّا بنسبة (6) بالمئة، فيما ارتفع مؤشِّر القِيمة المضافة للأنشطة الزراعيَّة بنسبة (9) بالمئة، لِتصلَ قِيمتها إلى (37.1) مليون ريال عُماني، وتجاوزت معدَّلات الاكتفاء الذَّاتي (100) بالمئة في عدد من المنتجات، مسجِّلةً (475) بالمئة في الخيار، و(256.2) بالمئة في التمور، و(218) بالمئة في بيض المائدة، و(136.7) بالمئة في العسل، وتتيح هذه الفوائض فرصًا مهمَّة للتصنيع الغذائي والتخزين والتوزيع والتصدير، بالتوازي مع تطوير إنتاج السِّلع التي لا تزال نِسَب الاكتفاء فيها دون المستويات المستهدفة، بما يُحقق توازنًا أكبر في سلَّة الغذاء المحليَّة.

ويرتبط استمرار هذه النتائج بقدرة المنظومة الإنتاجيَّة على استخدام التقنيَّة وإدارة الموارد الطبيعيَّة بكفاءة، وفي مقدِّمتها المياه والأراضي الزراعيَّة. وتضمُّ المحافظة (2244) بيتًا محميًّا، و(366) حقلًا تجاريًّا نموذجيًّا، إلى جانب المراكز البحثيَّة والمشاتل وبرامج الإرشاد ومكافحة الآفات الزراعيَّة، وهي مُقوِّمات تُسهم في تحسين الإنتاجيَّة وجودة المحاصيل والحدِّ من الفاقد. ويقدِّم مشروع زراعة الخضراوات في ولاية بديَّة نموذجًا لهذا المسار، بإنتاج سنوي بلغ (4320) طنًّا، إلى جانب مشروع مزارع العنب النموذجيَّة في إبراء ومشروع إنتاج الزعتر المحلِّي في الجبل الأبيض. ويأتي ذلك مدعومًا ببنية مائيَّة تشمل الأفلاج والآبار والسُّدود ومحطَّتَي الاستمطار، الأمر الذي يفرض مواصلة التوسُّع في أنظمة الرَّي الحديثة، ومراقبة استهلاك المياه، واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئة المحليَّة.

إنَّ اكتمال منظومة الأمن الغذائي يتطلب ربط المزرعة والحظيرة ومواقع الإنتاج السمكي بمرافق التصنيع والتعبئة والتبريد والنقل والتسويق، حتى تتحول زيادة الإنتاج إلى قِيمة اقتصاديَّة مستدامة، وتملك شمال الشرقيَّة أُسسًا قابلة للتطوير، تشمل وحدات تصنيع وتغليف التمور، والمصانع والأسواق السمكيَّة، والخدمات البيطريَّة، والمنافذ الزراعيَّة، فضلًا عن المهرجانات المتخصِّصة وبرامج التنمية الريفيَّة وتمكين المرأة ودعم المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، ويساعد تكامل تلك الحلقات على تقليل الهدر، وتحسين قدرة المنتج المحلِّي على المنافسة، وضمان وصول الغذاء إلى المستهلك بالكميَّات والجودة والأسعار المناسبة، وتقدِّم تجربة المحافظة صورة واضحة لِمَا يمكن أن تُحققَه الاستثمارات الموجَّهة وحُسن إدارة الموارد وتكامل الأدوار، ضمن مسار وطني يجعل من الغذاء المحلِّي عنصرًا ثابتًا في بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة.