يُمثِّل الوعي اليوم أحَد أهم مرتكزات بناء الإنسان وتحقيق التوازن في حياته، فهو ليس مجرَّد معرفة أو تراكم للمعلومات، بل منتج حضاري إنساني يتشكل من منظومة القِيَم والمبادئ والخبرات والتجارب، ويوجه سلوك الفرد وتفاعله مع قضايا وطنه ومُجتمعه والعالم من حوله. وفي ظل التحوُّلات الفكريَّة والتطورات التقنيَّة المتسارعة، أصبح تعزيز الوعي الفردي والجمعي خيارًا استراتيجيًّا لحماية المُجتمع وصيانة هُوِيَّته وتعزيز أمنه واستقراره. كما يُمثِّل ركيزة لإعادة هندسة السلوك الإنساني في التعامل مع المستجدات والتحدِّيات، خصوصًا في الفضاءات الرقميَّة وما تفرضه من تأثيرات متسارعة قد تمسُّ الجوانب القِيَميَّة والأخلاقيَّة والهُوِيَّة الإنسانيَّة.
إنَّ الوعي، في جوهره، حالة ذاتيَّة تبدأ من قناعات الفرد والتزامه، وصولًا إلى تحقيق التوازن في التعاطي مع متطلبات الواقع وتحدِّياته، واستيعاب أبعاده؛ إذ إنه يُبنى على تراكم الخبرات والتجارب والمواقف، ويُعد نتاجًا عمليًّا للصدمات والأزمات التي يمرُّ بها الإنسان، فتتحول إلى دروس متعلَّمة تصنع الوعي، وتولد حسَّ التغيير الذي ينعكس على حياة الفرد، ويسهم في تحصين المُجتمع من الانحرافات والسلوكيَّات التي قد تهدِّد استقراره؛ فإن تحقيق الوعي وانتشاره يبدأ من الفرد نفسه، قناعاته وأفكاره، وينطلق عبر ما يتعرض له من مواقف الأُسرة والتعليم والحياة والأزمات والتحدِّيات التي تضع الفرد في مواضع اختبار صحيحة، الأمر الذي يعزِّز فيه روح التغيير الذَّاتي ونمو الوعي لديه في إدارة واقعه والتعامل مع أزماته بما يُعزِّز قدرته على الانطلاق نحو التنمية المستدامة، والتنافسيَّة، والابتكار، والتميز في الإنجاز.
إنَّ تعزيز الوعي والثقافة الفكريَّة المعتدلة والناضجة لدى الإنسان العُماني في تعاطيه مع مشكلاته، وفي مواجهة المخاطر الرقميَّة وتحدِّيات الأمن الاجتماعي، كالمخدرات والجرائم والانحرافات السلوكيَّة، وما يستهدف هُوِيَّته ودِينه وعقيدته وقِيَمه وأخلاقه وقناعاته، وما يُثار أو يُفتعل من قضايا تمسُّ مواقفه وسياساته الوطنيَّة، يؤكِّد الحاجة إلى تعميق وعي الناشئة وتعزيزه بكل الوسائل. لذلك أدركت سلطنة عُمان أهميَّة هذا البُعد في بناء مواطن التنمية، وركزت في خططها التنمويَّة ورؤية «عُمان 2040» على أهميَّة إعطاء البُعد الإنساني، بما يُمثِّله من وعي، حضوره النوعي في مسيرة التطوير والبناء، من خلال التشريعات والقوانين والأنظمة، والتعليم، والبرامج، وبرامج التوعيَّة والتثقيف، واستلهام المناسبات الوطنيَّة، والاستراتيجيَّات، والنماذج والقدوات، وجعلها منطلقًا لبناء منظومة راسخة للوعي بالحقوق والواجبات والمسؤوليَّات، وترجمتها إلى ممارسات وسلوكيَّات يوميَّة تُعزِّز روح الانتماء، وترتقي بمستوى المسؤوليَّة الفرديَّة والمُجتمعيَّة في تعبير المواطن في المواقف المختلفة في العالم الرَّقمي الافتراضي والممارسة المُجتمعيَّة.
لذلك كانت الدعوة إلى الثقافة المهنيَّة الواعية، والتحلِّي بروح المسؤوليَّة، وبناء الذَّات الوطنيَّة، وتعزيز الثقة في الكادر الوطني، وترسيخ قِيَم الإخلاص في الإنجاز وأداء الواجب، من المرتكزات الأساسيَّة لبناء الوعي التي أكدت عليها النهضة العُمانيَّة؛ لِمَا لها من أثرٍ في ترسيخ إنسانيَّة النهضة، وانسجام غاياتها وأهدافها مع طبيعة الاحتياج الوطني، وتقريب وجهات نظر المواطن العُماني في تعاطيه مع متطلبات التنمية، وتهيئته لتقبُّل نتائجها وتوظيفها بما يقلِّل من فجوة الاغتراب تجاهها. وقد أسهم هذا الترابط في رفع مستوى الوعي، وتعميق روح المسؤوليَّة، وتطوير طبيعة المهام والأدوار، وإيجاد مناخات جديدة نمت فيها قِيَم الشراكة والحوار والشورى وإبداء الرأي، وإتاحة الفرصة للاستفادة من تعدُّد وجهات النظر، من خلال تمكين المنابر البرلمانيَّة وغيرها من المؤسَّسات الوطنيَّة التي أتاحتها الدولة، بما يُعزِّز المشاركة المُجتمعيَّة في صناعة القرار.
لقد أوجد هذا الوعي جوانب متميزة في حياة الإنسان العُماني، كان لها أثرها الواضح في انطلاقته نحو العالم، واستعداده للتعامل مع الظروف والمتغيِّرات المحيطة به بكل مهنيَّة ودبلوماسيَّة عالية وحكمة في المعالجة، الأمر الذي جعل السياسة العُمانيَّة محلَّ تقدير واحترام واهتمام دولي، انطلاقًا من مبادئ الثقة، وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للدول، وحلّ المشكلات بالوسائل السلميَّة، وتغليب لُغة الحوار، والبناء على المشترك الإنساني في معالجة القضايا الدوليَّة. كما أثمر هذا النهج نتائج إيجابيَّة على المستوى المُجتمعي، تمثَّلت في تعزيز اللحمة الاجتماعيَّة بين مختلف فئات المُجتمع وطوائفه ومذاهبه، وترسيخ قِيَم التكافل والتقارب، وتأصيل نماذج راقية في التعايش والتسامح والوئام، بما عكس عُمق الولاء والانتماء للوطن، ورسَّخ الترابط والتكامل بين عناصر التنمية وأهدافها في بناء الشخصيَّة العُمانيَّة القادرة على التعايش مع متطلبات الواقع، والتكيُّف مع عالم سريع التغيُّر.
ولمَّا كان مُجتمع سلطنة عُمان ـ كغيره من المُجتمعات المعاصرة ـ يتأثر بما يشهده العالم من تحوُّلات ومتغيِّرات متسارعة، فقد جاءت التوجيهات السَّامية لجلالة السُّلطان المُعظَّم ـ حفظه الله ـ لِتُؤكِّدَ إدراك هذه التحدِّيات وآثارها، حيث قال جلالته: «وإننا لندرك جميعًا التحدِّيات التي تمليها الظروف الدوليَّة الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة وعلينا، كوننا جزءًا حيًّا من هذا العالم، نتفاعل معه، فنؤثر فيه ونتأثر به».
لقد أدركت النهضة العُمانيَّة أن بناء الوعي لا يمكن أن يتحقق إلَّا من خلال العِلم والعمل والإنتاجيَّة، وبناء القدرات، والتدريب، وتعزيز بيئات التطوير المؤسَّسي، وترسيخ الحُريَّات المسؤولة، وبناء منظومة تشريعيَّة وقضائيَّة عادلة، وتعزيز دَور التعليم في بناء الإنسان في مختلف مجالات حياته. لذلك حرصت على نشر الوعي وترسيخه، ولم تكتفِ بذلك، بل أكَّدت على جودته وقدرته على تحقيق التنمية والتنافسيَّة والحضور العالمي، وهو ما تجسَّد في التوجيهات السَّامية الدَّاعية إلى المراجعة المستمرة لمَسيرة التعليم وسياساته وخططه وبرامجه، وما أفصحت عنه توجيهات جلالة السُّلطان في اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ (15) يونيو (2026م)، بشأن إعداد الضوابط والآليَّات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، أي المنصَّات الرقميَّة، بما يساعد الأُسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفيَّة الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدوليَّة الرَّائدة في هذا المجال. كما أشاد جلالة السُّلطان بالسَّمت العُماني في الأطروحات التي أبداها المواطنون، والتي تعبِّر خير تعبير عن الاتزان الذي يميِّز الشخصيَّة العُمانيَّة في تعاملها مع مختلف القضايا، مثمنًا ما تقوم به وسائل الإعلام العُمانيَّة في التعبير عن مواقف سلطنة عُمان تجاه الأحداث والقضايا المختلفة، وعلى نهج العقلانيَّة والاتزان في الطرح وتغليب المصلحة الوطنيَّة.
وبالتالي ما تحمله هذه التوجيهات من دعوة منظومات الدولة ومؤسَّساتها إلى بناء مرحلة جديدة من التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي في منظومة العمل الوطني ومسار التوعية الشاملة، تؤكِّد ترسيخ الوعي في الفكر والسلوك والممارسة والقناعات؛ فقدرة الإنسان العُماني على التعامل مع مفردات الحياة ومتغيراتها بكفاءة ومهنيَّة تعكس نجاحه في إدارة التحوُّلات المرتبطة بحياته، ووجود منظومة مؤسَّسيَّة قادرة على احتوائه، ودعمه، وتمكينه من إحداث التغيير الإيجابي في ذاته وسلوكه.
ومن هنا، يُمثِّل الوعي السلاح الفاعل والأداة المؤثِّرة في مواجهة مختلف التحدِّيات والمتغيِّرات، كما يُسهم في ترسيخ مفاهيم المواطنة والولاء والانتماء؛ لِمَا يتيحه من بناء قوَّة فكريَّة ومنهجيَّة تحليليَّة تُمكِّن الإنسان من إدراك أدواره، والوقوف على مسؤوليَّاته، وقدرته على توظيف ملكاته الفكريَّة، وإمكاناته المعرفيَّة والمهاريَّة، في صناعة الفارق وإحداث التغيير، وامتلاك ثقافة واعية تؤهله لإعادة صياغة واقعه والمشاركة في رسم ملامح مستقبله.
أخيرًا، يبقى الحفاظ على منتج الوعي كسلاح مؤثِّر في صناعة التوازنات، وقائمًا وحاضرًا في كل المواقف، مرتبطًا بمستوى الشفافيَّة والوضوح المعزّزة بالموضوعيَّة والثقة التي تلتزمها المؤسَّسات في التعامل مع قضايا المواطن، وسرعة الاستجابة التي تبديها في معالجة قضاياه الاستراتيجيَّة والاستحقاقات التي أطَّرها النظام الأساسي للدولة والقوانين والتشريعات النافذة، ووجَّه إليها جلالة السُّلطان المُعظَّم، في إطار من الحقِّ والعدل والمساواة. وهو أمر مرتبط أيضًا برفع سقف الحوار مع الشباب، وتعظيم الثقة في قدرته على إحداث التغيير، وتمكينه من الإسهام في القرار الوطني، ورفع سقف مشاركته في رصد الواقع وتقييم الممارسة المؤسَّسيَّة وإبداء الرأي فيها، وإعادة هندسة الواقع وتصحيح الممارسات السلبيَّة، الأمر الذي يرفع من قدرته على التعامل الواعي مع التهديدات الفكريَّة والأفكار التحريضيَّة التي باتَ يستمدُّها من المعلَّبات الفكريَّة الجاهزة والتجييش الإلكتروني الحاصل في المنصَّات الاجتماعيَّة، وبما يحفظ مصالح الوطن، ويُعزِّز أمنه واستقراره، ويرسِّخ وحدته الوطنيَّة، ويجعل من المواطن شريكًا فاعلًا في مَسيرة التنمية والبناء.
د.رجب بن علي العويسي