لا أبالغ ولا أجامل عندما أؤكد، كما أكدتُ أكثر من مرَّة، أن الاقتصاد العُماني يسير في اتجاه صحيح، وفق رؤية واضحة تضع الأولويَّات بمرونة تتناسب مع التحدِّيات والخطط في وقت واحد، فبعد سنوات من السعي إلى تخفيض الدَّيْن العام والخروج من عنق الزجاجة، إثر تحدِّيات فرضتها ظروف عالميَّة متلاحقة، مثل انخفاض أسعار النفط، وجائحة كورونا، وتأثر سلاسل الإمداد العالميَّة، والعديد من الأزمات الأخرى، استطاعت سلطنة عُمان ـ عبر خطَّة إنقاذ مالي محكمة ـ أن تجعل المنظومة الاقتصاديَّة الوطنيَّة أكثر صلابة وقدرة على التعامل مع المتغيِّرات. وقد تابعنا خلال تلك المرحلة قرارات لم تكُن سهلة، وإجراءات احتاجت إلى صبر المُجتمع وتفهمه، وسياسات أعادت ترتيب الإنفاق وضبط المصروفات وتحسين كفاءة التحصيل وإدارة الدَّيْن العام، ولم يكُن الهدف أن تتحسن صورة الأرقام لفترة محدودة، فقد كان المطلوب استعادة قدرة الدولة على الحركة من موقع أكثر أمانًا. واليوم أرى أنَّ الاقتصاد العُماني بدأ يجني ثمار ذلك المسار، وينتقل تدريجيًّا من مرحلة احتواء الضغوط الماليَّة إلى مرحلة التوسُّع الإنفاقي المحسوب، الذي يجمع بين السَّعي إلى التوازن المالي، وتسريع تنفيذ المشروعات، وتحسين الخدمات، وتعزيز الحماية الاجتماعيَّة، وتوفير بيئة أوسع لنُمو القطاع الخاص، وتلك نقلة مهمَّة لأنَّها تعني أن إدارة الاقتصاد لم تَعُد محكومة بضغط الأزمة وحده، وأصبحت أكثر قدرة على الاختيار وتوجيه الموارد نحو الأولويَّات الوطنيَّة.
وهنا لا أقول كلامًا مرسلًا، لكنَّني أستعرض رؤية تستند إلى أرقام، وجميعنا يعرف أن لُغة الأرقام لا تكذب، فقد ارتفعت الإيرادات العامَّة للدولة حتى نهاية الربع الثاني من عام (2026) بنسبة (13) بالمئة، مسجِّلةً نحو (6) مليارات و(602) مليون ريال عُماني، مقابل (5) مليارات و(839) مليونًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، أي بزيادة تبلغ نحو (763) مليون ريال، وفي الجانب الآخر ارتفع الإنفاق العام بنسبة (9) بالمئة لِيصلَ إلى (6) مليارات و(619) مليون ريال، مقابل (6) مليارات و(98) مليونًا في النصف الأول من عام (2025)، وعندما نضع الرَّقمين متجاورين نصل إلى نتيجة لم تذكرها النشرة الماليَّة بصورة مباشرة، رغم أنها تحمل دلالة عميقة، فالفارق بين الإيرادات والإنفاق لم يتجاوز (17) مليون ريال، بعدما بلغ نحو (259) مليونًا في الفترة المماثلة من العام الماضي، أي إن الفجوة تقلصت بنحو (242) مليون ريال خلال عام واحد، والأهم ـ في تقديري ـ أن الاقتراب من نقطة التوازن لم يتحقق بتجميد الإنفاق أو تعطيل المشروعات وتأجيل الالتزامات، فقد زادت المصروفات الجارية بنحو (251) مليون ريال، وبلغت المصروفات الإنمائيَّة للوزارات والوحدات المدنيَّة (798) مليونًا، ووصلت نسبة الصرف من المخصصات الإنمائيَّة السنويَّة إلى (61) بالمئة، وهو معدَّل يكشف عن حركة تنفيذ فعليَّة، ويُؤكِّد أن تحسُّن الوضع المالي يسير بالتوازي مع استمرار العمل التنموي.
وأعرف أن المواطن لا يجلس في نهاية كل ربع عام حاملًا آلة حاسبة لمقارنة الإيرادات بالمصروفات، فهو يقيس قوَّة الاقتصاد بطريقة أكثر اتصالًا بحياته، يراها في فرصة العمل التي ينتظرها ابنه، والطريق الذي يصل إلى ولايته، والمدَّة التي يقضيها للحصول على خدمة صحيَّة، والمدرسة التي تستقبل أبناءه، والمشروع الذي ينشط الحركة التجاريَّة في محافظته، والعقد الذي تحصل عليه مؤسَّسة صغيرة، والسيولة التي تصل إلى الأسواق وتدور بين المحال والمصانع وشركات النقل والخدمات. ومن هنا أرى أن الرقم الأهم ـ بعد اقتراب الإيرادات من تغطية الإنفاق ـ هو نوعيَّة الإنفاق وقدرته على الوصول إلى الناس، فقد خُصص من المصروفات الإنمائيَّة (146) مليون ريال لمشروعات التحوُّل الاقتصادي، وبلغ دعم منظومة الحماية الاجتماعيَّة (323) مليونًا، فيما وصل دعم قطاع الكهرباء إلى (288) مليونًا، ودعم المنتجات النفطيَّة إلى (162) مليونًا، وهذه المخصصات تكشف عن محاولة واعية لتحقيق التوازن بين متطلبات البناء الاقتصادي واحتياجات المُجتمع، فالطريق والميناء والمنطقة الصناعيَّة تفتح مسارات للاستثمار، والدعم الاجتماعي يحمي الأُسرة من ضغوط التحوُّلات الاقتصاديَّة، والإنفاق على الخدمات يرفع جودة الحياة، وسداد المستحقات يضخُّ السيولة في السوق، وكل ريال يوجه بكفاءة يستطيع أن يصنع أثرًا يتجاوز قِيمته المباشرة، ويمنح القطاع الخاص فرصة للتوسُّع، ويوفِّر وظيفة، ويحرك سلسلة طويلة من الأنشطة المرتبطة به.
ومع ذلك أعرف أن البعض قد يتوقف أمام حقيقة أن النفط والغاز قدَّما الجزء الأكبر من الزيادة في الإيرادات، ورُبَّما يرى في ذلك استمرارًا للصورة القديمة للاقتصاد العُماني، لكنني أقرأ الأمر من زاوية أخرى، فمتوسط سعر النفط المحقق لم يتجاوز (74 دولارًا) للبرميل، ومع هذا اقتربت الإيرادات من تغطيَّة الإنفاق، واستمرت الدولة في تنفيذ مشروعاتها والوفاء بالتزاماتها الاجتماعيَّة، وهو ما يعني أن السنوات الصعبة لم تمرَّ دون أن تترك خبرة مختلفة في إدارة المال العام. لقد تعلمت عُمان ـ كما أرى ـ ألَّا تتعامل مع كل ارتفاع في أسعار النفط باعتباره دعوة مفتوحة إلى الإنفاق، وألَّا تجعل انخفاضه سببًا لتوقف مسارات التنمية. ويبقى المطلوب أن تذهب المساحة الماليَّة التي وفَّرتها الإيرادات الحاليَّة إلى ما يمنح الاقتصاد دخلًا جديدًا في الأعوام المقبلة، وأن يجد المواطن أثرها في فرص العمل وحركة السوق وجودة الخدمات، وأن تحصل المحافظات على نصيبها من المشروعات والاستثمارات، مع مواصلة التعامل بحذر مع الدَّيْن العام الذي بلغ (14.16) مليار ريال، لذلك فالسبعة عشر مليون ريال ليست عجزًا يستحق القلق، فقد كانت الفجوة قبل عام (259) مليونًا، وأراها مسافة قصيرة تفصل الماليَّة العامَّة عن التوازن، وشاهدًا على أن الاقتصاد العُماني تجاوز المرحلة الأصعب، فيما يظل نجاح المرحلة الجديدة مرتبطًا بقدرته على تحويل ما كسبه من استقرار مالي إلى تحسُّن واضح في حياة الناس.
إبراهيم بدوي