مع بداية كل عام دراسي ينتقل الطفل من أجواء الصيف الحارَّة إلى نظام يومي جديد في مدرسته مليء بالمواعيد وجدول الدراسة، وهو تحوُّل أراه كل عام ينعكس بوضوح على هؤلاء الأطفال، حيث تزداد زيارات الأطفال في الأسبوعين الأوَّلين من الدراسة بشكوى الصداع وآلام البطن، وعادة تكون هذه الأعراض استجابة جسديَّة طبيعيَّة للتوتُّر النفسي لذلك الطفل، والتغيُّر المفاجئ في نمط النوم أكثر من كونه مرضًا عضويًّا. وعليه كما ندرك جميعًا كآباء وأُمَّهات أنَّ الطفل الذي اعتاد خلال الصيف النوم متأخرًا، يجد نفسه فجأة مضطرًّا للنهوض باكرًا كل صباح، وحتمًا هذا الانقطاع في إيقاع النوم يترك أثره على تركيزه وطاقته ومزاجه طوال اليوم. خصوصًا وأنَّ هنالك بيانات طبيَّة بيَّنت أنَّ ما يقارب ثلث الأطفال دون سن الرابعة عشرة لا يحصلون على قسط نوم كافٍ أصلًا، وهي نسبة ترتفع لدى طلاب المرحلة الثانويَّة، ما يجعل بداية العام الدراسي عبئًا إضافيًّا على جسم منهك أساسًا ـ إن صحَّ لي القول ـ!
من ناحية أخرى هذا الانتقال من الإجازة الصيفيَّة إلى بدء العام الدراسي والمدرسة سيؤثر بشكل ما على الجهاز الهرموني والعصبي أيضًا. لذلك سنلاحظ كيف أنَّ تغيُّرات في مستويات هرمون الكورتيزول لدى بعض الأطفال خلال هذه الفترة ترتبط بزيادة أعراض القلق لديهم. وهذا تحديدًا يعطينا السؤال والواضحة إجابته: لماذا يشتكي بعض الأطفال من آلام جسديَّة غامضة في الأيَّام الأولى دون وجود سبب عضوي واضح؟! وأعني هنا أنَّ الجسم فعليًّا يمرُّ بحالة من الإجهاد الفسيولوجي الحقيقي وليس مجرَّد تمثيل أو مبالغة كما قد يظن بعض الأهل.
وهنا عندما أتحدث عن الأسبوع الأول من المدرسة لا ننسى أنَّه سيكون موسمًا لانتشار العدوى، خصوصًا التهابات الجهاز التنفسي العلوي؛ إذ إنَّ اجتماع عدد كبير من الأطفال في مكان واحد بعد انقطاع صيفي طويل يجعل تبادل الفيروسات أمرًا شِبه حتمي، خصوصًا لدى الأطفال الأصغر سنًّا الذين لم تكتمل مناعتهم بعد تجاه السلالات الشائعة، ولهذا من الضروري تذكير الطفل بغسل يديه بانتظام وتجنب مشاركة أدوات الطعام والشرب مع زملائه. كما أنَّ الكثير من الأطفال يقللون من شرب الماء أثناء اليوم الدراسي، فيؤدي ذلك إلى جفاف خفيف وما يرافقه من صداع وتَعَب.
أمَّا على الجانب النفسي، فإن القلق من المدرسة والانفصال عن الأهل والتأقلم مع بيئة جديدة أو معلِّمين جُدد كلُّها عوامل قد تظهر على شكل بكاء أو رفض الذهاب إلى المدرسة أو اضطرابات في النوم أو حتى تراجع في الشهيَّة، وهي أعراض طبيعيَّة في الأيَّام الأولى سوف تخفُّ تدريجيًّا خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وعليه يجب على الأهل تقدير ذلك وتشجيع أطفالهم.
لذلك أنصح الأهل ـ والمفروض أن يكون ذلك ـ بتعديل ساعة النوم والاستيقاظ قَبل بداية الدراسة بأسبوع إلى أسبوعين بدلًا من التغيير المفاجئ في اليوم الأول، مع الحرص على أن يحصل الطفل في سنِّ المدرسة على تسع إلى إحدى عشرة ساعة نوم يوميًّا. ناهيك عن الفطور الذي يحتوي على مصدر بروتين مثل البيض أو اللبن مع كربوهيدرات كالخبز الأسمر أو رُبَّما الشوفان بعكس الوجبات الغنيَّة بالسكريَّات التي تعطي نشاطًا سريعًا يتبعه خمول. وأجزم هنا بأنَّ تزويد الطفل بزجاجة ماء خاصَّة به يساعده على تذكُّر الشُّرب تلقائيًّا خلال اليوم. بلا شك عندما يشتكي الطفل من ألمٍ في البطن أو الرأس صباحًا، من الجيِّد الاستماع إليه بجديَّة دون مبالغة في القلق أو اتهامه بالتهرب من المدرسة! يجب على الوالدين مثلًا سؤال طفلهما: هل يوجد شيء يقلقك في المدرسة؟ وهذا ـ بطبيعة الحال ـ سيفتح بابًا للحوار خصوصًا في الأيَّام الأولى من المدرسة.
ختامًا، الأسبوع الأول من المدرسة محطَّة انتقاليَّة تحتاج إلى صبر وتفهُّم من الأهل وليس فقط من الطفل، والتحضير المسبق، سواء على مستوى النوم والتغذية أو على المستوى النفسي يجعل هذا الانتقال أكثر سلاسة. ولنتذكر دائمًا أنَّ معظم ما يظهر من أعراض في هذه الفترة هو استجابة فسيولوجيَّة طبيعيَّة للتغيير وليس بالضرورة مؤشِّرًا على مرض، لكن المراقبة الواعية تبقى ضروريَّة لضمان صحَّة الطفل الجسديَّة والنفسيَّة طوال العام الدراسي.
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي