الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الاحدث : العدالة تفقد معناها عندما تصبح انتقائية التطبيق

في الاحدث : العدالة تفقد معناها عندما تصبح انتقائية التطبيق
الاثنين - 24 أغسطس 2026 02:51 م

طارق أشقر

20

السَّائد من قناعات لدى كافَّة القانونيين على مستوى العالم بأنَّ العدالة ليست مجرَّد نصوص قانونيَّة، أو محاكم دوليَّة، أو شعارات ترفعها القوى الكبرى في المحافل الدوليَّة، إنما هي، وكما يجب أن تكون، معيارًا أخلاقيًّا لا يكتسب شرعيَّته إلَّا عندما يتمُّ تطبيقه على الجميع بلا استثناء. أمَّا حين تتحول إلى أداة تُشهر في وجه الضعفاء، ويتمُّ إغمادها أمام الأقوياء، فإنها بذلك تفقد معناها وجوهرها، فيتحول القانون الدولي من مظلَّة لحماية الإنسانيَّة إلى وسيلة لإدارة موازين القوَّة السياسيَّة.

ولعلَّ المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة تُمثِّل النموذج الأبرز لهذا الجدل؛ فهي منذ تأسيسها عام (2002)، يرى إليها القانونيون بأنَّها المؤسَّسة القضائيَّة الدوليَّة المكلَّفة بمحاسبة مرتكبي أخطر الجرائم ضد الإنسانيَّة وجرائم الحرب والإبادة الجماعيَّة، فحظيت بموجب هذه القناعة بدعم سياسي وإعلامي واسع من القوى الكبرى، خصوصًا من الولايات المُتَّحدة، رغم عدم انضمامها إلى نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة. وقد كان ذلك الدَّعم والتأييد أشدَّ وضوحًا كلَّما كانت أحكام هذه المحكمة أو تحقيقاتها تستهدف قادة من دول العالم النامي، بما فيها القارَّة الإفريقيَّة وغيرها.

وقد كان سجلُّ المحكمة لسنوات طويلة يثير انتقادات واسعة بسبب تركيز معظم قضاياها على القارَّة الإفريقيَّة؛ حيث أيَّدت القوى الغربيَّة محاكمة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور وإدانته وسجنه، كما رحَّبت بإصدار المحكمة مذكّرة توقيف بحقِّ الرئيس السوداني الأسبق عمر حسن أحمد البشير عام (2009)، رغم أن السودان لم يكُن ـ آنذاك ـ دولة طرفًا في نظام روما الأساسي؛ إذ استند الاختصاص إلى إحالة من مجلس الأمن الدولي، وكذلك دعمت محاكمة (علي كوشيب) في قضايا دارفور، وقدَّمت ذلك بوصفه انتصارًا للعدالة الدوليَّة.

ولم يتوقف الأمر عند حدود التأييد السياسي، بل جرى تصوير المحكمة باعتبارها الضمير الحي للمُجتمع الدولي، وأنَّ أحكامها تعلو على الحسابات السياسيَّة، في حين أنَّ كثيرًا من المراقبين رأوا أن مذكّرة توقيف البشير أسهمت، بشكل أو بآخر، في التأثير على فرص التسويات السياسيَّة، ممَّا جعلها ـ كما يعتقدون ـ من بين عوامل عمَّقت حالة عدم الاستقرار، ولرُبَّما قادت، ضمن غيرها من العوامل الداخليَّة والإقليميَّة الأخرى المتشابكة، إلى تداعيات كارثيَّة على وحدة السودان.

ولكن المشهد حول مكانة هذه المحكمة تغيَّر بصورة لافتة عندما امتدَّت يدها إلى «إسرائيل». فمنذ أن أصدرت المحكمة مذكّرات توقيف بحقِّ رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو وعدد من المسؤولين «الإسرائيليين»، انقلبت المواقف رأسًا على عقب، فأصبحت المحكمة فجأة، في نظر كثير من المسؤولين الأميركيين والغربيين، هيئة «غير شرعيَّة»، وبدأت حملات التشكيك في اختصاصها واتهامها بتجاوز صلاحيَّاتها، بل وصل الأمر إلى فرض عقوبات على عدد من قضاتها، والدعوة إلى انسحاب الدول الأعضاء منها، والسخرية العلنيَّة من قراراتها.

وفي أحدث مظاهر هذا التحوُّل، سخِر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من عدم استهدافه شخصيًّا من هذه المحكمة، مع ظهور ضغوط على بعض الدول الأعضاء بميثاق روما للانسحاب منه، بحجَّة حماية السيادة الأميركيَّة و»الإسرائيليَّة»، في حين وصف وزير الخارجيَّة الأميركي المحكمة بأنَّها «منظَّمة دوليَّة غير شرعيَّة»؛ حيث يكشف هذا الخطاب بوضوح أنَّ الموقف من المحكمة لم يَعُد مرتبطًا بمبادئ القانون الدولي، وإنَّما بمدى توافق قراراتها مع المصالح السياسيَّة للقوى الكبرى.

وقد امتدَّت هذه الضغوط إلى استهداف المدعي العام للمحكمة كريم خان، الذي واجه اتهامات تتعلق بسوء السلوك الجنسي، في حين يرى منتقدون أنَّ توقيت هذه الاتهامات تمَّ استخدامه لتقويض مصداقيَّة المحكمة بعد تحركها ضد مسؤولين «إسرائيليين»، دون الإعلان عن دليل قضائي يثبت وجود صلة بين الاتهامات وقرارات المحكمة نفسها.

وتتجلى المفارقة عندما كانت المحكمة تحاكم مسؤولين من دول ضعيفة؛ تمَّ اعتبار إجراءاتها انتصارًا للقِيَم الإنسانيَّة، ووصفت حينها بأنَّها رمز للعدالة الدوليَّة، أمَّا عندما اقتربت من مسؤولين ينتمون إلى دولة تحظى بحماية سياسيَّة غربيَّة، فقد أصبحت عبئًا يجب التخلص منه، ولرُبَّما أصبحت خطرًا يهدِّد سيادة الدول، كما يعتقدون.

إنَّ أخطر ما في هذا النهج ليس فقط تقويض المحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، إنَّما تقويض فكرة العدالة الدوليَّة بِرُمَّتها؛ لأنَّ الشعوب لا تفقد ثقة بالمؤسَّسات الدوليَّة لأنَّها تخطئ، بل لأنَّها تبدو وكأنَّها تكيل بمكيالين، ولا شيء أخطر على النظام الدولي من أن يترسخ الاعتقاد بأنَّ القانون يتمُّ تطبيقه على الضعفاء وحدهم، ويتمُّ إعفاء الأقوياء منه بفعل النفوذ والتحالفات السياسيَّة.

وبكل تأكيد، إنَّ العالم اليوم لا يحتاج إلى عدالة انتقائيَّة، بل إلى عدالة متساوية لا تميِّز بين دولة كبرى وأخرى صغيرة، ولا بين حليف وخصم؛ لأنَّ العدالة التي لا تملك القدرة على محاسبة الجميع تفقد هيبتها، وأنَّ النظام الدولي الذي يسمح بازدواجيَّة المعايير يزرع بذور الفوضى، ويفقد ثقة الشعوب في المؤسَّسات التي أُنشئت أصلًا لحماية الإنسان.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن »