تُمثِّل المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة قاعدة أساسيَّة لتوسيع النشاط الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل؛ لِمَا تتمتع به من قدرة على الوصول إلى مجالات إنتاجيَّة وخدميَّة متعدِّدة، وتحويل المبادرات الفرديَّة إلى مشروعات توفر فرص العمل وتدعم المحتوى المحلِّي، وتغذِّي سلاسل التوريد المرتبطة بالمؤسَّسات الكبرى. وكلَّما اتَّسعت قاعدة المؤسَّسات وارتفعت قدرتها على الاستمرار، أصبح الاقتصاد الوطني أكثر مرونة في التعامل مع المتغيِّرات، وأكثر قدرة على توزيع النشاط والاستثمار بين القطاعات والمحافظات. ومن هذا المنطلق تكتسب مذكّرة التعاون التي وقَّعتها بورصة مسقط والأكاديميَّة العُمانيَّة للمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، التابعة لصندوق تنمية المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة «إنماء»، أهميَّة خاصَّة؛ لأنَّها تربط تمكين المؤسَّسات بالوعي الاستثماري والتخطيط المالي، وتفتح أمامها نافذة للتعرف على الفرص والحلول التي يوفِّرها سوق رأس المال العُماني.
إنَّ تأسيس المؤسَّسة يُمثِّل الخطوة الأولى في مسار طويل، بينما يبقى التحدِّي الحقيقي في قدرتها على تجاوز سنواتها الأولى والانتقال إلى مرحلة النُّمو والتوسُّع، ويحتاج الانتقال إلى إدارة ماليَّة واعية، وخطط واضحة، وحوكمة مناسبة، وفهمٍ دقيق للتدفقات النقديَّة والمخاطر والاحتياجات التمويليَّة. وتُلبِّي مجالات التعاون الواردة في المذكّرة جانبًا مهمًّا من تلك الاحتياجات، من خلال البرامج التدريبيَّة وحلقات العمل في الاستثمار والأسواق الماليَّة والتخطيط المالي، إلى جانب تبادل الخبرات وتقديم محتوى معرفي وتطبيقي يتناسب مع مراحل نُمو المؤسَّسات. فالمشروع الذي يمتلك منتجًا جيِّدًا أو فكرة قابلة للنجاح قد تتعثر مسيرته بسبب ضعف الإدارة الماليَّة أو اختيار وسيلة تمويل لا تتوافق مع احتياجاته وقدرته على السَّداد.
ولعلَّ فتح أبواب سوق رأس المال أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة يمنحها خيارات أوسع من الاعتماد على التمويل الذَّاتي أو الاقتراض المصرفي، ويهيئ لها مسارًا جديدًا للوصول إلى المستثمرين وجذب رؤوس الأموال اللازمة للتوسُّع. ويأتي التعريف بسوق الشركات الواعدة ضمن الخطوات التي تساعد أصحاب المؤسَّسات على إدراك المتطلبات التي ينبغي استيفاؤها، وفي مقدِّمتها انتظام السجلَّات الماليَّة، والالتزام بالحوكمة والإفصاح، ووجود نموذج عمل قابل للنُّمو وخطَّة واضحة لاستخدام التمويل، ويؤدي الاستعداد المبكر لتلك المتطلبات إلى تحسين كفاءة المؤسَّسة حتى قبل دخولها السوق؛ لأنَّ الانضباط المالي والتنظيم الإداري والشفافيَّة عناصر ترفع الثقة بها، وتدعم قدرتها على التفاوض والحصول على التمويل وإقامة الشراكات.
إنَّ نجاح الشراكة سيقاس بقدرتها على نقل المؤسَّسات من المعرفة العامَّة إلى الجاهزيَّة الفعليَّة، وإعداد نماذج وطنيَّة تستطيع الانتقال إلى مراحل أكثر تقدُّمًا من النُّمو والمنافسة، ويستدعي ذلك تصميم مسارات تدريبيَّة متخصِّصة، ومتابعة المؤسَّسات المستفيدة، وقياس التحسُّن في أدائها المالي والإداري، وربطها بالفرص الاستثماريَّة المناسبة لطبيعة أنشطتها. كما يُشكِّل التكامل بين بورصة مسقط وصندوق «إنماء» والأكاديميَّة نموذجًا للعمل المؤسَّسي الذي يحتاج إليه قطاع ريادة الأعمال، حيث تتصل الخبرة التدريبيَّة بالمعرفة التمويليَّة وفرص السوق ضمن مسار واحد، فبناء قطاع خاص قوي يبدأ من مؤسَّسات صغيرة تجد البيئة التي تساعدها على الثبات، ثم تنمو لِتصبحَ شركات وطنيَّة قادرة على التوظيف والإنتاج والمنافسة، والإسهام بصورة أوسع في الاقتصاد الوطني.